عبد الفتاح مصطفى: الفارس المجهول الذي أثرى الأغنية العربية بألف عمل فني
عبد الفتاح مصطفى: الفارس المجهول للأغنية العربية

عبد الفتاح مصطفى: الفارس المجهول الذي أثرى الأغنية العربية بألف عمل فني

في عالم الفن والأدب، توجد شخصيات تترك بصمات عميقة رغم أن أسماءها قد تظل خفية عن الأجيال اللاحقة. أحد هؤلاء هو الشاعر المصري عبد الفتاح مصطفى، الذي طغت شهرة أشعاره على اسمه، ليصبح جندي الأغنية الدينية المجهول للكثيرين، على عكس غيره من الشعراء المعاصرين.

من هو عبد الفتاح مصطفى؟

ولد عبد الفتاح مصطفى في سنة 1924 في حي الجمالية العريق بالقاهرة التاريخية، حيث نشأ في جوار الجامع الأزهر ومسجد الإمام الحسين. عاش يتيماً منذ الثالثة من عمره تقريباً، بعد وفاة والده العالم الأزهري مصطفى الغمراوي. منذ صغره، أظهر مواهب فنية متميزة، حيث تفتحت عيناه على حكايات السير الشعبية مثل سيرة الأميرة ذات الهمة وسيف بن ذي يزن.

في الثانية عشرة من عمره، قرر أن يبدو ناضجاً في عيون أساتذته، فبدأ في شراء دواوين كبار شعراء عصره مثل أحمد شوقي وحافظ إبراهيم. تفجرت موهبته الشعرية وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة، حيث رأس فرقة الشعر في مدرسته الثانوية، وقدم للإذاعة بعض أشعاره في الصف الثاني الثانوي، وأصدر ديوانه الأول "المزامير" في التاسعة عشرة.

رحلته الفنية والإبداعية

درس عبد الفتاح مصطفى الحقوق وحصل على دبلوم في الشريعة الإسلامية، وعمل في مجالات قانونية، لكن الفن والأدب كانا شغله الشاغل. يقول عن نفسه: "الفن والأدب واهتماماتي اللغوية أخذت من وقتي أكثر من المحاكم ومن مشكلات الناس اليومية".

أثرى المكتبة الإذاعية المصرية بأكثر من 1000 عمل فني في مختلف بحور الكلمات، حتى وُصف بأنه "فارس من فرسان الكلمة شعراً ونثراً". كتب للنقشبندي وحده نحو 15 نشيداً، لحنها جميعاً بليغ حمدي، وللعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ النصيب ذاته تقريباً من أشعاره الدينية التي لحنها محمد الموجي.

إسهاماته في الأغنية الدينية والرمضانية

ارتبط اسم عبد الفتاح مصطفى بشكل وثيق بالأغنية الدينية، حيث كتب مقدمة مسلسل "محمد رسول الله" من أشهر أغنياته الدينية الحديثة التي غنتها ياسمين الخيام. كما كتب أغنية "تم البدر بدري" للفنانة شريفة فاضل، التي تعد أشهر أغنية في وداع رمضان، تُبث منذ 60 عاماً في الثلث الأخير من الشهر الكريم.

غنت له فايزة أحمد "كريم المعاني ودايماً كريم"، وكتب صورة غنائية بعنوان "رمضان أبو المواكب"، بالإضافة إلى أغنيات أخرى مثل "قيدوا الفوانيس" لشافية أحمد و"والله زمان يا رمضان" لفاطمة علي.

تعاونه مع عمالقة الفن

تعاون عبد الفتاح مصطفى مع كبار الفنانين في عصره، حيث غنت له أم كلثوم 11 أغنية بمختلف ألوان الغناء، منها "لسه فاكر" و"أقولك ايه عن الشوق". كما لحن له الموسيقار محمد عبد الوهاب أغنيتين دينيتين، ولحن سيد مكاوي أغنية "أبو زعيزع" التي نُسبت خطأ للشاعر صلاح جاهين في بعض المواقف.

كتب للفنان هاني شاكر أغنية وطنية بعنوان "الله أكبر والبشاير هالّة"، ولعفاف راضي أغنية دينية "أنعِم بها أسماء" عن ابنة الصحابي أبي بكر الصديق.

إسهاماته في الدراما الإذاعية

لم يقتصر إبداع عبد الفتاح مصطفى على الأغاني فقط، بل قدم 94 تمثيلية إذاعية و46 برنامجاً غنائياً، أشهرها "عوف الأصيل" و"قِسَم وأرزاق" و"عذراء الربيع". هذه الأعمال كانت بمثابة السينما المسموعة التي نقلت المستمعين إلى عوالم خيالية غنية.

شارك في كتابة سيناريو وحوار عدد من الأفلام مثل "رابعة العدوية" و"أنا الهارب"، وألف مسلسلات مثل "النبي هاهنا" الذي وُصف بأنه "آخر أعمال الكاتب الإسلامي الكبير".

إرثه وتقدير معاصريه

رحل الشاعر الفيلسوف عبد الفتاح مصطفى عن 60 عاماً، تاركاً كنزاً أدبياً ثميناً ربما تفوّق به على ما قدمه غيرُه من الشعراء والكُتّاب من حيث الغزارة والتنوع. قال عنه الموسيقار الراحل عمار الشريعي إنه "من وجوه وأعين الأغنية العربية، ومن القليلين الذين اكتملت فيهم كل عناصر الشاعر الغنائي".

على الرغم من حياته الفلسفية الثرية، إلا أن أحداً من أبنائه الـ10 لم يرث عنه انشغاله بالأدب والشعر، كما حكت ابنته في لقاء تلفزيوني. ومع ذلك، يبقى إرثه حياً في قلوب وعقول محبي الفن والأدب، شاهدا على عطاء لا ينضب لفارس الكلمة المجهول.