رواية 'استراتيجية السمكة القزمة' تنسج التاريخ والخيال في طنجة 1890
رواية 'استراتيجية السمكة القزمة' عن طنجة 1890

رواية 'استراتيجية السمكة القزمة' تنسج التاريخ والخيال في طنجة 1890

في عمل أدبي مثير، يعود الصحفي والكاتب المغربي زهير الوسيني بروايته الجديدة 'استراتيجية السمكة القزمة'، التي تنسج خيوط التاريخ بالخيال، لتقدم قراءة عميقة لطنجة في عام 1890، وهي مدينة تتأرجح بين أمجادها القديمة وتوترات الاستعمار القادم.

جريمة غامضة تهز التوازن الهش

تدور أحداث الرواية حول جريمة قتل غامضة تهز التوازن الهش بين القوى الأجنبية والسلطات المحلية في طنجة، حيث يقتل الإيطالي ماورو كنتاغالي، وهو شخصية بارزة عشقت المدينة، في ظروف يلفها الغموض. يتولى التحقيق القائد إبراهيم، رجل حكيم قليل الكلام، ينتقل بخطى واثقة بين أزقة المدينة العتيقة وصالونات الدبلوماسية الأوروبية.

في البداية، تبدو الجريمة مجرد حادث جنائي معزول، لكن سرعان ما تتكشف طبقاتها لتصبح مدخلاً إلى عالم معقد من المصالح والصراعات الخفية. خلال محاولته فك القضية، يجد القائد إبراهيم نفسه وسط شبكة من الشخصيات لا تُنسى، ورسائل غامضة، وأصداء ماض بعيد، إضافة إلى لقاءات مع قبائل تمردت على السلطة.

طنجة: كيان حي يعكس توترات المرحلة

لا تكتفي الرواية بسرد لغز مثير، بل تنسج خيوط التاريخ مع الخيال لتشكل صورة حية للمغرب في لحظة مصيرية. طنجة هنا ليست مجرد مسرح للأحداث، بل كيان حي تتقاطع داخله المصالح الأجنبية مع حسابات المخزن (السلطة)، حيث تنعكس على شرفاتها وأزقتها توترات مرحلة كانت تمهّد لتحولات كبرى في تاريخ المغرب.

قبل أن تُفرض الحماية الفرنسية في الجنوب والإسبانية في الشمال، وقبل أن تصبح طنجة رسمياً منطقة دولية، كانت هذه المدينة تعيش وضعية خاصة، جعلتها شبيهة بمنطقة دولية بحكم واقع الحال، مع قناصل أوروبيين نافذين، وتجار مغامرين، وعيون ترصد كل حركة عند مضيق جبل طارق.

صراع الإرادات ورمزية السمكة القزمة

لا يكتفي التحقيق بالكشف عن ملابسات مقتل الإيطالي، بل يفتح الأبواب أمام قراءة أوسع للمرحلة، حيث يقود كل خيط إلى سؤال أكبر: من كان يستفيد من إشعال التوتر؟ ومن كان يسعى إلى اختبار حدود السيادة المغربية في مدينة تتحول تدريجياً إلى مختبر للتدخلات الأجنبية؟

عبر هذا المسار البوليسي المشوّق، تتحول الجريمة إلى مرآة تعكس صراع الإرادات بين الداخل والخارج، بين دولة تحاول أن تحافظ على توازنها، وقوى أوروبية تتقدم بخطى محسوبة نحو ترسيخ نفوذها. وفي خلفية الأحداث، تستمر حكاية 'السمكة الصغيرة' التي تنجو بدهاء وذكاء بين كبار المفترسات.

لذلك، تبقى للعنوان دلالته ورمزيته العميقة؛ فالسمكة 'القزمة' ليست علامة ضعف، بل تحركها استراتيجية الصمود، في بحر يعجّ بالأسماك الكبيرة، ما يعني أن الصدام المباشر لا يكون هو الخيار الأذكى، بل القدرة على المناورة، وقراءة التيارات الخفية، والتحرك بخفة وذكاء. وهكذا، تبدو طنجة في الرواية صغيرة بحجمها الجغرافي، لكنها مركزية بحكم موقعها؛ مهددة بضغوط الخارج، لكنها قادرة على إنتاج توازنات دقيقة.

نجاح الوسيني في مزج التوثيق والخيال

نجح زهير الوسيني في روايته في المزج بين الحسّ التوثيقي والخيال الأدبي، مستعيداً مناخ نهاية القرن التاسع عشر بلغة سردية مشدودة، دون أن تقع في فخ السرد التاريخي الجاف. تتحرك الشخصيات في فضاء واقعي يستند إلى معطيات تاريخية دقيقة، لكن حيويتها تنبع من عمقها الإنساني، ومن تردداتها الداخلية، ومن وعيها بأنها تعيش لحظة مفصلية.

وفي قلب هذا كله، تبقى طنجة هي الخيط الناظم: مدينة تُصغي، تُخفي وتُفاجئ. يعمل الوسيني، الحاصل على دكتوراه في الدراسات السامية من جامعة غرناطة، في قناة 'راي نيوز' الإيطالية منذ 2001، وكتب في جريدة 'لوبسارفاتوررومانو'، ونشر مقالات في صحف عربية وإسبانية وإيطالية، كما درّس في جامعات داخل إيطاليا وخارجها.

بروايته التاريخية الأولى، 'استراتيجية السمكة القزمة'، التي سبق أن نشرت باللغة الإيطالية ثم العربية، في انتظار أن ترى النور بلغات أخرى مثل الفرنسية والإسبانية، يدخل الوسيني عالم الأدب ليقدم حكاية تجمع بين الدقة التاريخية وسحر الخيال، مستكشفاً أسئلة السلطة والهوية والمقاومة في لحظة حاسمة من تاريخ المغرب.