البليهي: الأخلاق هدف أول للتربية والتعليم والإعلام لمواجهة الأنانية البشرية
يرى المفكر إبراهيم البليهي أن الواجب الوطني والإنساني يقتضي جعل الأخلاق الهدف الأول للتربية، والهدف الأول للتعليم، والهدف الأول للإعلام، ولكل وسائل التواصل وأدوات التثقيف في المجتمع.
ويؤكد البليهي على ضرورة أن يكون هدف المؤسسات التعليمية والإعلامية هو الارتقاء بالأخلاق والاستمرار في ترقيتها بشكل مستمر، حيث يجب أن يكون الارتقاء بالأخلاق هو المستهدف الأول والثاني والعاشر في أي خطة تنموية.
توهم المعرفة: الوباء الفظيع
يشير صاحب كتاب "بنية التخلف" إلى أن استحكام الجهل يعطل فاعلية العقل البشري، إلا أن الوباء الفظيع الحقيقي يتمثّل في تَوَهُّم المعرفة، الذي استوطن العقل منذ نشوئه.
ويوضح البليهي أن الجهل يمكن رفعه بالتعلم والتدريب، أما ما لا يمكن علاجه بسهولة فهو تَوَهُّم المعرفة، أي "توَهُّم الجهل عِلْماً"، مؤكداً على خطورة ما يستقر في الأذهان من تصورات خرافية أو خاطئة.
ويضيف أن هذه التصورات الخاطئة تتحكم بالذهن البشري بشكل كبير، فالعقل يميل إلى تأكيد ما اعتاد عليه، وتمجيد ما تآلف معه، وتزكية من يماثلونه في الاتجاه الفكري.
الخلل الأساسي في الاستقامة البشرية
يستعرض البليهي فكر سقراط الذي اعتقد أن الخلل الأساسي المعطِّل للاستقامة البشرية هو الجهل، وأن الناس لو وجدوا طريقهم إلى فهم ذواتهم وإدراك الحقيقة فسوف تستقيم الأوضاع الإنسانية.
وكان سقراط يرى أن فهم الإنسان لذاته هو مفتاح الصلاح، فكان شعاره الأول "اعرف نفسك"، وشعاره الثاني التأكيد بأن فاعلية العقل مشروطة بنقد العقل ذاته، والشحذ الدائم لفاعليته.
وكان الفيلسوف اليوناني يردد مقولته الشهيرة: "حياة لم تُمتحَن هي حياة لا تستحق أن يتمسك بها الإنسان"، داعياً إلى التفكير النقدي المستمر.
أفلاطون وإنقاذ الإنسان من الجهالة
يشير البليهي إلى أن أفلاطون كرّس حياته في التفكير في كيفية إنقاذ الإنسان من جهالته المستغلقة، التي أغرقت حياته بالتفكير الخرافي والسلوك الأرعن.
ويؤكد أن التاريخ وأعمال البشر والعلوم المعرفية توصلت إلى حقيقة مهمة، وهي أنه رغم فظاعة الجهل ورغم بشاعة توهم المعرفة، إلا أن المعضلة الكبرى ليست ناجمة عن نقص المعرفة فقط، ولا عن توهم المعرفة وحده.
الأنانية البشرية: الجذر العميق للمشكلات
يكشف البليهي أن المشكلة الأساسية هي نتاج الطبيعة البشرية، فالإنسان كائن "أناني" بطبيعته، وأنانيته تنبع من أعماقه، أي من جيناته الوراثية.
ويستشهد بعلماء الأحياء، وعلى رأسهم "ريتشارد داوكينز"، الذين ذهبوا إلى أنه يجب على كل الناس أن يتعلموا بأنهم أنانيون بالطبع، وبأن عليهم ترويض هذه الطبيعة الأنانية الجامحة، ودفعها إلى الخير.
ويحذر البليهي من أنه من دون الاعتراف بالأنانية الطبيعية التلقائية، سيبقى البشر يرتكبون أفدح الفظائع، ويبررون لأنفسهم ذلك دون صعوبة، لأن طبيعتهم الأنانية متماهية مع ذلك السلوك.
مسؤولية الأنانية عن الصراعات الأخلاقية
يحمّل البليهي الأنانية البشرية مسؤولية كبيرة عن الصراعات والمعضلات الأخلاقية التي تواجه المجتمعات، معتبراً أن سلوك الإنسان على مستوى الأفراد والمجتمعات والثقافات هو نتاج القيم والتصورات والحاجات والرغبات والطموحات.
ويوضح أن هذه العوامل تُحرِّك الإنسان تلقائياً، بعيداً عن معلوماته ومهاراته المكتسبة، مما يجعل التركيز على الأخلاق في التربية والتعليم والإعلام أمراً حيوياً لمواجهة هذه التحديات.
ويختتم البليهي بالتأكيد على أن الارتقاء بالأخلاق ليس خياراً فحسب، بل هو ضرورة ملحة لضمان استقامة المجتمعات وتقدمها في ظل التحديات المعاصرة.