القوى المتوسطة تتصدر خريطة الوساطة في الأزمات السياسية: تحولات جيوسياسية عميقة
القوى المتوسطة تتصدر خريطة الوساطة في الأزمات السياسية

القوى المتوسطة تتصدر خريطة الوساطة في الأزمات السياسية: تحولات جيوسياسية عميقة

مع تصاعد النزاع العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، شهدت الساحة الدولية تحولاً ملحوظاً في آليات حل الأزمات السياسية، حيث سارعت عدة دول إلى لعب دور الوساطة في محاولة للتوصل إلى اتفاق بين القوتين المتصارعتين.

بروز لاعبين جدد في ساحة الوساطة الدولية

لم تقتصر تداعيات هذا النزاع على دول الجوار فحسب، بل امتدت إلى العالم بأسره، في ظل ما يسببه من اضطراب في حركة الملاحة العالمية وسلاسل التوريد، وارتفاع حاد في أسعار النفط. المفاوضات، التي انتهت جولتها الأولى دون التوصل إلى اتفاق، لم تُعقد برعاية أممية أو في إحدى العواصم الأوروبية التي اعتادت استضافة لقاءات مماثلة، بل استضافتها العاصمة الباكستانية إسلام آباد بوساطة مشتركة وصفت بالوساطة الأصلية من باكستان وبـ "غير المباشرة" من مصر وتركيا.

وقد أبرزت جهود الوساطة في هذا النزاع ملامح تغير جوهري في شكل الوساطات لحل أزمات المنطقة، إذ تراجعت أدوار القوى الكبرى، في مقابل بروز ما يُعرف بـ"القوى المتوسطة" كلاعبين رئيسيين في إدارة النزاعات، بحسب ما يرى خبراء ومحللون.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

تعريف القوى المتوسطة ودوافعها

يعرّف أحمد قنديل، رئيس وحدة العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، "القوى المتوسطة" بأنها "قوى إقليمية تؤثر في محيطها الجغرافي، دون أن تمتلك امتداداً عالمياً مماثلاً لقوى مثل الولايات المتحدة أو الصين، لكنها تحتفظ بتأثير ملموس داخل مناطقها".

وحول أسباب لجوء هذه القوى للدخول في وساطات من هذا النوع، يوضح قنديل أن "هذه الدول تتحرك عادة بدافع مصالحها، إذ تدفع ثمن الاضطرابات وعدم الاستقرار". ويضيف: "الوسطاء ليسوا حمامات سلام، بل يتحركون لحماية مصالحهم الأمنية والاقتصادية، هذه القوى تنظر إلى مصالحها الاقتصادية التي ستتأثر في حال استمرار هذه النزاعات أو تفاقمها بشكل يؤثر على مصالحها الوطنية والقومية".

سوابق تاريخية لوساطة القوى المتوسطة

ليست المرة الأولى التي تشهد فيها خريطة التفاوض والوساطة بروز لاعبين جدد بشكل ملحوظ. فعلى سبيل المثال:

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي
  • في عام 2020، استضافت الدوحة مفاوضات بين الولايات المتحدة وطالبان، انتهت بتوقيع اتفاق مهّد لانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان.
  • في عام 2022، استضافت تركيا محادثات بين روسيا وأوكرانيا، أسفرت عن اتفاقات جزئية، من بينها ترتيبات لتصدير الحبوب عبر البحر الأسود.
  • لعبت السعودية دوراً في الوساطة بين موسكو وكييف، إذ استضافت في عام 2023 محادثات في مدينة جدة، بمشاركة ممثلين عن عدة دول، لبحث سبل إنهاء الحرب.

نقاط القوة والضعف في وساطة القوى المتوسطة

ويوضح ديفيد شينكر، زميل معهد واشنطن ومساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق، أن هناك نقاط قوة لهؤلاء الوسطاء، قائلاً: "باكستان تمتلك حدوداً مع إيران، ولديها علاقات جيدة مع واشنطن وطهران تسمح لها بتوصيل الرسائل، هم في مكانة جيدة، لم يكن ممكنا للصين أو روسيا التوسط في هذه المفاوضات".

كما تفرض بعض الأوضاع الداخلية على الدول الوسيطة التدخل للسيطرة على مشكلات داخلية محتملة، طبقاً لقنديل، الذي يضيف: "على سبيل المثال، باكستان لديها أقلية شيعية كبيرة، وإن استمرار الحرب قد يؤدي إلى حدوث توترات في باكستان، وأيضاً إذا تصاعد الصراع، فهناك إمكانية لحدوث موجات من اللاجئين".

ويضيف: "بالنسبة لمصر، فهم ليسوا طرفاً في هذا الصراع لكنهم عانوا بسببه بعد توقف إمداد الغاز من إسرائيل والتأثير الكبير لتداعيات الحرب على السياحة، والتأثير على عبور السفن من قناة السويس"، مؤكداً: "هذه الحرب لها تأثير كبير على مصر".

تراجع دور القوى التقليدية في الوساطة

في الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وطهران، الذي وُقّع في عام 2015، لعب الاتحاد الأوروبي دوراً رئيسياً في المفاوضات للوصول إلى هذا الاتفاق، ثم لعب دوراً أكبر في الإشراف على تنفيذه وضمان امتثال إيران. لكن في النزاع الحالي، تراجع دور الاتحاد الأوروبي بشكل كبير.

يرجع ديفيد شينكر هذا التراجع لما يصفه بـ"العلاقة المعقدة" حالياً بين الولايات المتحدة وحلف الناتو والدول الأوروبية. ويقول: "أوروبا لا تريد خلاف إضافي مع الرئيس ترامب، وترى أنه من الأفضل تحاشي هذا النزاع".

فقدان الثقة بالولايات المتحدة كوسيط محايد

على الجانب الآخر، يرى خبراء أن الطريقة التي تتفاوض بها الولايات المتحدة أفقدتها الثقة كطرف محايد ووسيط في المنطقة. تقول أستاذ مساعد العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة جونز هوبكينز، سارة باركنسون، إن "الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل خلال الحرب في غزة، وفي الوضع الحالي مع إيران، أنهى دورها كوسيط في المنطقة".

وتنتقد باركنسون النهج الدبلوماسي للإدارة الأمريكية الحالية، إذ تقول إن "إدارة ترامب تفرغ الدبلوماسية من معناها، وتستبدل الدبلوماسيين بأشخاص مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهم رجال أعمال لا يمتلكون الخبرة الكافية للمفاوضات الدبلوماسية".

كما ترى أن الحرب مع إيران أثرت بشكل كبير على علاقة الولايات المتحدة بدول الخليج، إذ تقول: "دول الخليج تشعر بأنها تم التخلي عنها بعد ما اعتبروا أن لديهم ضمانات أمنية من الولايات المتحدة ثم وجدوا أنفسهم في الحرب، هذا كله أثّر على مصداقية الولايات المتحدة في المنطقة".

هذا التحول في خريطة الوساطة الدولية يشير إلى تغيرات عميقة في المشهد الجيوسياسي العالمي، حيث تبرز القوى المتوسطة كفاعلين أساسيين في إدارة الأزمات، بينما تتراجع الأدوار التقليدية للقوى العظمى في هذا المجال.