لبنان والمفاوضات تحت النار: تحليل عميق للتحديات والدروس المستفادة
يتفاوض لبنان اليوم في ظل ظروف بالغة القسوة، حيث يستمر القصف الإسرائيلي والدمار والإنهاك في استنزاف مقومات الدولة، بينما تمعن إسرائيل في صلفها وتطالب الدولة اللبنانية بالالتزام الكامل بتنفيذ التزاماتها. هذه المفاوضات التي تجري تحت وطأة النار لا تقتصر آثارها المدمرة على البعد الإنساني المأساوي فحسب، بل تمتد لتطال مصير الدولة اللبنانية ذاتها وبنيتها الأساسية.
استهلاك الدولة في خضم المفاوضات
تستهلك المفاوضات الجارية تحت النار الدولة اللبنانية التي يُفترض أن تكون رأس الحربة في تحقيق السيادة الوطنية واحتكار العنف المشروع. هذا التناقض الجوهري يفرغ أي اتفاق محتمل من معناه الحقيقي، ويطرح تساؤلات خطيرة حول جدوى هذه العملية التفاوضية في ظل الظروف الراهنة. يبدو أن إسرائيل تهدف من خلال هذا النهج إلى تفكيك الدولة اللبنانية وتفسخها، مما يفتح الباب على مصراعيه لصعود الميليشيات وانتشار الفوضى.
في هذا السياق، لا تنتهي الحرب بل تتحول إلى شكل جديد أكثر تعقيداً، حيث تتحول إلى حرب داخلية وخارجية متشابكة، سرعان ما تنخرط فيها إسرائيل من جديد بأشكال مختلفة. هذا التحول الخطير يهدد الاستقرار الإقليمي برمته ويدفع بالمنطقة إلى دوامة جديدة من العنف وعدم اليقين.
الدروس المستفادة من التجربة السورية الإسرائيلية
ثمة دروس بالغة الأهمية يمكن استخلاصها من المفاوضات السورية الإسرائيلية الفاشلة التي جرت في الماضي. أول هذه الدروس وأهمها يتمثل في ضرورة تثبيت قوة الدولة كمقدمة أساسية لتثبيت التزاماتها الدولية. فقد أتاح النظام السوري بقيادة حافظ الأسد، قبل وأثناء وبعد المفاوضات، تصفية كل القوى التي كان من الممكن أن تزعزع التزاماته التفاوضية.
هذا الأمر مكّن النظام السوري من تأمين صمت كامل لجبهة الجولان، وتثبيت قدرته على ضبط النشاطات المعادية لإسرائيل المنطلقة من الأراضي السورية. ومع ذلك، قصر النظام السوري في التوصل إلى صيغة صريحة وواضحة لتثبيت الحقوق السورية في الحدود، بما في ذلك منطقة مزارع شبعا المتنازع عليها.
عواقب السلام الناقص والفراغ اللبناني
ولأن السلام الذي تم التوصل إليه كان ناقصاً وغير شامل، سرعان ما غامر النظام السوري، تحت ضغط سياساته العقائدية والأيديولوجية، باستغلال الفراغ اللبناني لإعادة تفجير الأمور في المنطقة. هذا القرار الاستراتيجي الخاطئ ارتد في نهاية المطاف على سوريا ذاتها، حيث أدى إلى القضاء على أي أمل قريب لاستعادة الجولان المحتل.
تتطلب المفاوضات الجارية في لبنان اليوم جرأة سياسية استثنائية من النخب الوطنية اللبنانية، حيث لا تفيد المفاوضات التي تجري تحت وقع الشعارات والخطابات الرنانة، أو التي تخلط بين الصمود اللفظي والحكمة الوطنية وحسن التقدير السياسي. قوة الدولة واستتباب أوضاعها الداخلية يظلان شرطاً سابقاً وأساسياً لتحقيق الأمن المستدام للجميع، ولضمان أي اتفاق تفاوضي ذي معنى وقابل للاستمرار.
الوضع اللبناني الراهن يذكرنا بأن المفاوضات التي تجري في ظل ضعف الدولة وهشاشتها محكوم عليها بالفشل الذريع، وأن أي حل دائم للأزمات الإقليمية يجب أن يبدأ من بناء دول قوية ومستقرة قادرة على الوفاء بالتزاماتها وحماية مصالحها الوطنية في آن واحد.



