تريتا بارسي: تحليل العلاقات الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية من منظور استراتيجي
تريتا بارسي: تحليل العلاقات الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية

تريتا بارسي: صوتٌ أكاديمي في تحليل السياسة الدولية

يعتبر تريتا بارسي أحد أبرز المحللين السياسيين في المشهد الدولي، وهو كاتب أمريكي من أصل إيراني، ينتمي إلى الديانة الزرادشتية. ولد في الأحواز عام 1974، ضمن عائلة معارضة سياسياً، حيث سُجن والده في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، ثم في عهد الجمهورية الإسلامية تحت قيادة الخميني. هذه الخلفية العائلية الصعبة دفعت الأسرة للفرار إلى السويد، ومنها انتقل بارسي إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أسس معهداً للأبحاث في واشنطن يهدف إلى الدعوة لسياسة خارجية أمريكية أقل تدخلاً في الشؤون العالمية.

المسيرة الأكاديمية والمؤلفات البارزة

يحمل بارسي شهادة دكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة جونز هوبكنز المرموقة، وكان من بين أساتذته شخصيات مؤثرة مثل فرانسيس فوكوياما وزبيغنيو بريجنسكي. اشتهر بمؤلفاته التي تتناول العلاقات المعقدة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ومن أبرزها كتاب "التحالف الغادر: الصفقات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة" وكتاب "رمية نرد واحدة" الذي يركز على دبلوماسية الرئيس الأمريكي باراك أوباما مع إيران. تُستشهد كتبه على نطاق واسع في الأوساط الأكاديمية والسياسية، لما تقدمه من تحليلات دقيقة ومتعمقة.

رؤية بارسي للعداء الإسرائيلي الإيراني

في كتابه "التحالف الغادر"، يجادل بارسي بأن العداء بين إسرائيل وإيران لا ينبع أساساً من أيديولوجية أو دين ثابتين، بل هو مدفوع بتغيرات الجغرافيا السياسية وحسابات موازين القوى. يؤكد أن سياسات الدول تتشكل بفعل المصالح الاستراتيجية، بينما تلعب الأيديولوجيا دوراً ثانوياً في هذا الصدد. ويشير إلى أن التحولات الكبرى في العلاقات الإسرائيلية الإيرانية، من تعاون وثيق في عهد الشاه إلى عداء صريح في عهد الجمهورية الإسلامية، تزامنت مع تغيرات كبيرة في النظام الإقليمي، وليس مع منعطفات دينية.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

يستعرض بارسي تاريخ التعاون الضمني الطويل بين إسرائيل وإيران، حيث شكلت الدولتان ما يسميه "تحالفاً"، كونهما دولتين غير عربيتين ومواليتين للغرب، تتعاونان ضد خصوم عرب مشتركين. شمل هذا التعاون مجالات أمنية واقتصادية متنوعة، مثل تبادل المعلومات الاستخباراتية، والدعم المشترك للأكراد العراقيين، وصفقات النفط، وبرنامج الصواريخ، وتدريب إسرائيل للقوات الإيرانية.

القطيعة والمنافسة الإقليمية

بعد قيام الثورة الخمينية، تبنت إيران خطاباً حاداً ضد الصهيونية، لكنها تسامحت لاحقاً مع إسرائيل وتعاملت معها عندما خدم ذلك مصالحها، كما يتضح من فضيحة إيران كونترا. يرى بارسي أن دعم إيران للجماعات الفلسطينية المتشددة كان جزئياً وسيلة لكسب النفوذ الإقليمي، وليس مجرد تضامن أيديولوجي. مع نهاية حرب تحرير الكويت وانهيار الاتحاد السوفيتي، برزت إسرائيل وإيران كقوتين رئيسيتين متنافستين على النفوذ في المنطقة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

يشير بارسي إلى أن الحكومات الإسرائيلية، خاصة منذ عام 1992 فصاعداً، عملت بنشاط على تصوير إيران كتهديد وجودي عالمي، مدفوعة بحاجتها إلى "تهديد مركزي" جديد لترسيخ علاقاتها مع الولايات المتحدة. ويقول إن إسرائيل أفشلت مساعي إيران للتقارب مع أمريكا، على الرغم من تعاون إيران معها في قضايا مثل رهائن لبنان وأفغانستان.

شروط إيران لوقف إطلاق النار وتداعياتها الدبلوماسية

من موقعه الأكاديمي، كتب بارسي مقالاً عن اتفاق وقف إطلاق النار الهش الأخير، وذكر الشروط العشرة التي تقدمت بها إيران، والتي تشمل:

  1. التزام الولايات المتحدة بضمان عدم الاعتداء على إيران.
  2. استمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز.
  3. قبول تخصيب إيران لليورانيوم.
  4. رفع جميع العقوبات الدولية عنها.
  5. رفع العقوبات عن الأطراف التي تتعاون مع إيران.
  6. إنهاء جميع قرارات مجلس الأمن الدولي التي تستهدف إيران.
  7. إنهاء جميع قرارات الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن برنامجها النووي.
  8. دفع تعويضات لإيران.
  9. سحب القوات الأمريكية من المنطقة.
  10. وقف إطلاق النار على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان.

يؤكد بارسي أن الولايات المتحدة لم توافق على هذه البنود، لكن مجرد كونها أساساً للمفاوضات يُعد انتصاراً دبلوماسياً لطهران، خاصة مع الإقرار باحتفاظ إيران بسيطرتها على مضيق هرمز خلال فترة وقف إطلاق النار. ويتوقع تعثر المحادثات المرتقبة في إسلام آباد بين الطرفين، مشيراً إلى أن تراجع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن استخدام القوة أدى إلى إضعاف مصداقية تهديداته العسكرية.

توقعات مستقبلية وتحديات دبلوماسية

يرى بارسي أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يقوم على حلول وسط حقيقية، مما يتطلب دبلوماسية وصبراً وانضباطاً، وهي صفات لا يتمتع بها ترامب وفقاً لتحليله. قد يتطلب الأمر مشاركة قوى دولية مثل الصين في المفاوضات لضمان استدامة وقف إطلاق النار. كما ستتوقف استدامة هذا الاتفاق على قدرة ترامب على منع إسرائيل من تقويض المسار الدبلوماسي، خاصة بعد أن وصف مسؤولون إسرائيليون رفيعو المستوى الاتفاق بأنه "كارثة سياسية".

يخلص بارسي إلى أنه حتى لو انهارت المحادثات واستأنفت إسرائيل قصفها لإيران، فليس بالضرورة أن يعود ترامب إلى الحرب. ويشدد على أن هذه الحرب كانت خطأ استراتيجياً، حيث بدلاً من أن تعجل بتغيير النظام في إيران، منحته فرصة جديدة للبقاء، مشبهاً ذلك بغزو صدام حسين لإيران عام 1980 الذي ساهم في توطيد سلطة الخميني. في النهاية، يرى بارسي أن المنطقة ستظل مضطربة طالما استمرت سياسات النظام الإيراني على نهجها العدائي.