لجان التحقيق في العراق: أداة لطمس الحقيقة أم مسكنات مخدرة؟
لجان التحقيق في العراق: أداة لطمس الحقيقة؟

لجان التحقيق في العراق: أداة لطمس الحقيقة أم مسكنات مخدرة؟

يكشف تكرار لجان التحقيق من دون محاسبة في العراق تحوّلها إلى أداة لطمس الحقيقة وتعميق خيبة الكرد من عجز بغداد أو تواطئها. منذ سنوات، لا تتعرض كوردستان لاعتداءات متفرقة يمكن وضعها في خانة الحوادث الطارئة، بل لما يشبه حربًا معلنة على أمنها ومدنها واقتصادها وحق أهلها في حياة آمنة ومستقرة.

المشهد الرسمي المتكرر

مع كل هجوم، يتكرر المشهد الرسمي نفسه: إدانة باردة، لجنة تحقيق، ثم صمت كثيف يبتلع القضية ويطمرها كأنها لم تكن. المشكلة لم تعد في الفصائل وحدها، بل في الدولة التي تعرف وتراقب وتسمع، لكنها تتصرف كأنها آخر من يعلم.

المعتدون ليسوا أشباحًا مجهولين، بل جماعات معروفة الأسماء والمسارات والولاءات، ومع ذلك، لا أحد يُسمّي، ولا أحد يُحاسب، ولا أحد يضع حدًا لهذا العبث الذي تجاوز منذ زمن حدود الاستفزاز إلى تهديد مصالح البلاد العليا والأمن والسلم المجتمعي.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

دور حكومة الإقليم

ولم تكن حكومة الإقليم، في كل مرة، تندفع إلى التصعيد، بل كانت، حرصًا على ألّا تتحول مغامرات هؤلاء الحمقى إلى احتراب داخلي، تعود إلى الحكومة الاتحادية وتطالبها بأن تقوم بواجبها، بوصفها المرجع التنفيذي الأعلى، والأقرب إلى هذه المجموعات، والأعرف بها وبنواياها.

كانت تدعوها إلى ردع أعمال لا تستهدف الإقليم وحده، بل تضرب هيبة الدولة نفسها، لكن بلا جدوى، ولهذا لم يعد غريبًا أن يتحول مزاج الشارع الكردي من خيبة الأمل إلى السخرية المرّة من ردود فعل بغداد، بل إلى اتهامٍ علني لها بأنها إمّا شريكة بالصمت، أو متغاضية عمدًا، أو خائفة من أن تقترب من الفاعلين.

تحول لجان التحقيق

وهكذا لم تعد لجان التحقيق، في وعي الناس، أداة لكشف الحقيقة، بل وسيلة لدفنها، تُفتح اللجنة في الصباح، وتُدفن القضية في المساء، كأن الغرض من الإجراءات ليس العدالة، بل امتصاص الغضب وتمييع المسؤولية حتى يبهت كل شيء.

العراقيُّون اختصروا هذا البؤس كله بمثل شعبي بالغ القسوة والذكاء: "لا تطلب الدبس من النمس". فليس من المنطقي أن تطلب الحسم ممن لا يريده، ولا الحماية ممن يرتبك أمام من يفترض أن يردعهم، ولا العدالة ممن يكتفي بإدارة الجريمة بدل إنهائها.

السؤال الجوهري

بعد كل هذه السنوات، لم يعد السؤال: من يقصف؟ بل: لماذا لا يُعاقَب من يقصف؟ ولماذا تُترك كوردستان تحت هذا الاستهداف المزمن، فيما تُدار المأساة بلجان بلا أسنان؟ عندئذ لا يعود المثل الشعبي سخرية عابرة، بل يصبح حكمًا سياسيًا موجعًا: من يطلب الحسم من غير أهله، فلن يحصد إلا الخيبة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي