من خطاب المظلومية إلى استراتيجية الردع: قراءة معمقة في المأزق الكوردي الراهن
يُفرض المأزق الكوردي الراهن، في ظل التطورات الجيوسياسية المتسارعة، الانتقال من خطاب المظلومية التقليدي إلى استراتيجية ردع سياسي متكاملة. هذه الاستراتيجية يجب أن تقوم على قراءة دقيقة للمصالح، وبناء تحالفات قوية، وحماية المكاسب المحققة، في بيئة إقليمية ودولية تتسم بالتقلب والتنافس.
المتاهة السيكو-سياسية: بين العاطفة والواقعية
غالبًا ما تبدو القراءة السياسية لدى قطاعات واسعة من الكرد، وفي أحيان كثيرة، قراءة مثقلة بالعاطفة أكثر مما هي مسندة إلى تقدير واقعي لفهم التوازنات الإقليمية وتفاوت المفاهيم في النظام الدولي. نتيجة لذلك، تتحول السياسة إلى مرآة للانفعال العام بدل أن تكون علمًا في فهم المصالح وتقاطعاتها، وحقلًا مفتوحًا للخطابات التي تجيد استثارة الوجدان أكثر مما تجيد تنظيم الوعي.
عندما تُدار القضايا الكبرى بعين دامعة لا بعين فاحصة، تُبنى المواقف على الإحساس الآني لا على حساب العواقب، وعلى ما ينبغي أن يكون، لا على ما يمكن أن يكون. هذا يؤدي إلى تكرار الأخطاء نفسها بأسماء مختلفة، وإعادة المأساة على نحو أشد قسوة، لأن أحدًا لم يتعلم من الدرس إلا بعد دفع ثمنه مرتين: مرة في الميدان، ومرة في الوعي.
ليس المقصود هنا الطعن في العاطفة بوصفها قيمة إنسانية أو وطنية، فالعاطفة في لحظات الظلم تستحيل شاهدًا أخلاقيًا على الألم، وقد تكون مصدرًا للتماسك والصبر. غير أن تحويل العاطفة إلى معيار وحيد لتحليل الأحداث هو منزلق سياسي خطير، لأن العاطفة تعظم بعض الوقائع وتصغر غيرها، وتسرع الحكم قبل اكتمال الصورة، وتستدرج الناس إلى تبني استنتاجات نهائية من مقدمات ناقصة.
سردية البطولة: هشاشة التحليل في مواجهة الواقع
تمثّل أحداث حلب، بما في ذلك الشيخ مقصود والأشرفية، مختبرًا فلسفيًا لفهم هذا التداخل الفادح بين العاطفة والسياسة. فحلب ليست مكانًا عابرًا في ذاكرة الكرد، إنها جرح قديم لم يندمل، مدينة ذاقت من العنف ما يكفي ليدرك الناس فيها أن الحرب ليست ملحمة، وأن البطولة لا تكفي وحدها لصناعة النجاة.
شهدت المدينة جرائم داعش وإرهابه بحق المدنيين، وكانت تلك الجرائم فاجعة ضد الإنسانية وضد الشعب الكردي وغيره من مكونات المنطقة. غير أن ما يهم هنا ليس استعادة تفاصيل الرعب بقدر ما يهم إدراك العبرة السياسية، ففي زمن داعش كانت الصورة الدولية، في لحظات محددة، تميل إلى التعاطف مع الكرد بوصفهم قوة تقاتل عدوًا معلنًا للعالم كله.
لكن السياسة لا تعرف دوام الحال. ما كان ممكنًا بالأمس قد يصير عبئًا اليوم، وما كان يمثل قوة على الأرض قد يتحول إلى ورقة قابلة للتجاذب بين اللاعبين الكبار. وفي اللحظة التي تتبدل فيها خارطة الأولويات الدولية، يجد الفاعل المحلي نفسه مكشوفًا إن لم يكن قد بنى شبكة ضمانات سياسية تتجاوز ظرف المعركة.
التحديث الجيوسياسي: الكرد في مهب الحرب الإسرائيلية-الإيرانية
لا يمكن قراءة أنطولوجيا العقل الكوردي اليوم بمعزل عن الانفجار الكبير في الشرق الأوسط: المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران. هذا الحدث ليس مجرد صدام عسكري، بل هو زلزال جيوسياسي يعيد تعريف التوازنات الإقليمية وتمزيق الخرائط القديمة.
إن انخراط إيران وإسرائيل في حرب مفتوحة يعني أن الساحة السورية، بما فيها المناطق الكردية، أصبحت صندوقًا قابلًا للانفجار في أي وقت. هنا، لم يعد هناك مجال للحياد العاطفي أو للانتظار السلبي. إسرائيل التي ورطت الولايات المتحدة الأميركية في حرب لمصالحها لم تُعر اهتمامًا للشرعية الدولية ولا للقوانين، بل استخدمت مفهوم الشرعية في أمور لا شرعية لها.
هذا يقودنا إلى تسليط الضوء على آليات التلاعب بالمفاهيم في الفلسفة السياسية المعاصرة، وكيف تتحول المظلومية الكردية إلى ساحة لتصفية الحسابات تحت غطاء الشرعية: حق يُراد به باطل.
توظيف الشرعية كأداة للهيمنة: المنظور الأميركي
فلسفيًا، تعيد الولايات المتحدة إنتاج مفهوم الشرعية الإجرائية لتبرير أفعال تقع خارج إطار القانون الدولي التقليدي. في الصراع مع إيران، يستخدم مفهوم الدفاع عن النفس الاستباقي أو حماية السلم الدولي كذريعة لإضفاء الشرعية على هجمات قد تفتقر للغطاء الأممي.
هنا، نجد إزاحة معرفية للمفهوم: تصبح الشرعية ليس ما يقرره القانون، بل ما تمليه القوة المتفوقة لفرض واقع جديد. إن الشرعية الدولية التي يراهن عليها الكرد أحيانًا، هي خامة مرنة تتشكل بحسب مصالح القوى العظمى، وليست مسطرة أخلاقية ثابتة.
بروباغندا الذريعة وازدواجية الخطاب: الموقف العراقي-الإيراني
- تزييف الهدف: يتم تصوير الهجمات، التي تجاوزت 700 هجمة صاروخية، على أنها استهداف للقواعد الأميركية، بينما هي في الجوهر استهداف للبنية التحتية والاستقرار الكوردي. الفلسفة الكامنة هنا هي تأديب الجغرافيا، حيث يُراد تحويل كوردستان من فاعل سياسي مستقر إلى ساحة بريد دامية.
- استخدام الميليشيات كوهم قانوني: توظيف الميليشيات يمنح الدولة، سواء العراقية أو الإيرانية، قدرة على الإنكار المعقول. فلسفيًا، هذا يكسر مفهوم سيادة الدولة التي تدعيها هذه القوى، فهي تستخدم سيادة الدولة لقمع الكرد، وتتجاوز السيادة نفسها عبر الميليشيات لضربهم.
سيميولوجيا الـ 700 هجمة: الرسالة المشفرة
إن الرقم 700 هو رقم تقريبي لعدد الهجمات الإيرانية-العراقية على إقليم كوردستان منذ بداية الحرب بين إسرائيل وإيران. هذا الرقم ليس مجرد إحصاء عسكري، بل هو خطاب ترهيب سوسيولوجي يهدف إلى:
- تحطيم الأمن الوجودي للإنسان الكوردي: إيصال رسالة مفادها أن بيتكم ليس حصينًا.
- خنق النموذج: ضرب المدنيين والقصبات يهدف إلى إحراج السلطة الكوردية أمام شعبها، وإظهارها بمظهر العاجز عن الحماية، مما يغذي حالة الانفعال العام.
المسؤولية التاريخية والأفق السياسي
الهزيمة في موقع حساس لا تعني خسارة رقعة جغرافية فحسب، بل تعني خسارة رأس مال بشري ومعنوي، وإضعاف القدرة على الدفاع في جولات لاحقة. ومن هنا يبرز سؤال كالعلقم بمرارته: كم مرة يمكن للشعب أن يدفع من دمه لكي يثبت حقه؟
إذا كانت السياسة التي تدير معاركه لا تحول التضحيات إلى ضمانات، ولا تترجم الصمود إلى تفاوض، ولا تحول القضية إلى ورقة حماية لا إلى ورقة استنزاف، فهناك خلل وجودي في عقلية هذه القيادات، وسوف تواجه مسؤولية تاريخية أخلاقية لا ينفع تبرير فيها.
لذلك، يجب الدعوة إلى مراجعة استراتيجية القوى الكردية في روژئاڤا، كوردستان سوريا، وفي باشور، كوردستان العراق، وإلى قراءة أكثر حداثة للبيئة الدولية والإقليمية. ليس المقصود التنازل عن الحقوق، بل المقصود إعادة تعريف أدوات الدفاع عنها.
شرارة الانبعاث الفكري
الحقيقة التي يكررها تاريخ الأقليات والقوميات في المنطقة هي أن الاستنزاف الطويل، حين لا ينتج أفقًا سياسيًا، يتحول إلى نمط حياة، يصبح الناس أسرى التعبئة الدائمة والخطر الدائم، بينما تتبدل خرائط العالم من فوق رؤوسهم.
لذلك، يجب التأكيد على فكرة مفادها أن الكرد، بما عرفوا به من صلابة وبسالة، ينبغي أن يكونوا الآن أكثر قدرة على ترجمة ما يحققونه في الميدان إلى مكاسب سياسية وبسرعة. فالتأخير هنا ليس مجرد خطأ إداري، إنه ثغرة قاتلة تسمح للآخرين بإعادة تفسير ما حدث، وبالانقضاض على النتائج.
على القيادات الكوردية إعادة السياسة إلى معناها الأول: فن الممكنات، أو من سيأخذ ماذا، لا مسرحًا للعاطفة، إدارة المصالح القومية، لا نشيدًا للانفعال، تقدير النتائج قبل رفع الشعارات، لا بعد سقوط الضحايا.
في هذا المعنى، لا يطلب من الكرد أن يتخلوا عن إحساسهم بالظلم، بل يطلب منهم أن يحولوا هذا الإحساس إلى وعي سياسي، وأن يضبطوا اندفاعهم بمعرفة أوسع بالعالم الذي يعيشون فيه. فالعالم لا يتغير بالنوح على العدالة المفقودة، بل بتعلم قوانينه القاسية، ثم العمل على تفكيكها تدريجيًا بما هو متاح من أدوات.



