العراق في مواجهة صراع التيارات الإسلامية: الولائية والشعبوية القومية
صراع التيارات الإسلامية في العراق: الولائية والشعبوية القومية

العراق في مواجهة صراع التيارات الإسلامية: الولائية والشعبوية القومية

يكشف الصراع المحتدم بين التيار الولائي والتيار الصدري في العراق عن إعادة تشكيل السلطة على وقع الحرب والتحولات الإقليمية وتضارب المصالح الأميركية والإيرانية. ليس عامل تهدئة سخونة الحرب لمدة أسبوعين، التي استمرت تسعة وثلاثين يومًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، هو وحده ما سيُشكّل المشهد السياسي والأمني في العراق، بل إن أحد أبرز ملامح هذا الصراع يتمثل في التنافس بين تياري الإسلام السياسي الشيعي.

التيار الولائي والتيار الصدري: جذور الصراع

يستمد التيار الأول قوته من الجمهورية الإسلامية في إيران، بينما يمثل التيار الثاني الشعبوي القومي الإسلامي، المعروف بالتيار الصدري، والذي غيّر عنوانه إلى "التيار الوطني الشيعي" ليفصل نفسه عن التيارات الولائية التابعة لولاية الفقيه. المذهب والطائفة هما بوصلة هذين التيارين، وكلاهما يستلهمان فكريًا وعقائديًا من مائدة الإسلام السياسي بشقه الشيعي، مع إضفاء طابع قومي محلي من قبل التيار الصدري.

سياسة الغزو والاحتلال الأميركي سلّمت المجتمع العراقي إلى قبضة هذين التيارين، حيث يشهد سجل الطرفين بانتهاكات فاضحة لحقوق الإنسان. في ظل التغييرات السياسية والجيوسياسية في المنطقة، التي فتحت آفاقها عملية "طوفان الأقصى"، تعمل الولايات المتحدة على إرساء شكل جديد للسلطة في الدول الفاشلة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

المحاصصة السياسية ومساعي التغيير

بحسب المعطيات، يبدو أن هناك مسعى لإنهاء المحاصصة السياسية بصيغتها الحالية واستبدالها بشكل جديد من السلطة، تميل فيه الكفة نحو الدولة المركزية. هذا السيناريو يُعاد في العراق بعد فشل مساعي الولايات المتحدة في حل ميليشيات الحشد الشعبي قانونيًا أو سياسيًا، حيث تم استهداف هذه الميليشيات عسكريًا خلال الحرب.

الرسالة واضحة: لا وجود لميليشيات موازية للدولة، مما يشير إلى بداية مرحلة جديدة عنوانها إنهاء المحاصصة، كخطوة في مسار سياسي متصاعد. في هذا السياق، يمكن فهم الفتوى التي أطلقها فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، والتي ربطت تشكيل الحكومة بمن يحصد غالبية الأصوات في الانتخابات، وليس من يشكل أكبر كتلة انتخابية في البرلمان.

إعادة إحياء الدور السياسي للتيار الصدري

في خضم هذه الأوضاع، يجري العمل على إعادة إحياء الدور السياسي لمقتدى الصدر وتياره القومي الإسلامي الشعبوي، الذي كان في "غرفة الانتظار" منذ أن وجّه له مجلس القضاء الأعلى ضربة قاضية عبر ابتكار "الثلث المعطل". بعد 34 يومًا من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، خرج التيار الصدري في تظاهرة ضد الحرب، رافعًا شعار "كلا كلا لأميركا وإسرائيل"، إلى جانب أعلام دول الخليج يتوسطها العلم الإيراني.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

ما يسعى إليه التيار هو التأكيد على حضوره في أي معادلة سياسية قادمة، خاصة في حال انزلاق العراق إلى حرب أهلية. لا يمكن إغفال أن التيار الصدري ما زال يحتفظ بتشكيله المسلح "سرايا السلام"، الذي أعاد تفعيله في عدد من المدن الجنوبية، ويستحوذ على مقدرات المدينة ويفرض الخاوات على أهاليها.

التداعيات الاقتصادية والأمنية

في خضم هذا الصراع، سمحت القيادة العسكرية الإيرانية بمرور السفن العراقية أو السفن التي تُصدّر النفط العراقي مرورًا آمنًا في مضيق هرمز. هذا القرار جاء نتيجة إدراك أن الميليشيات الموجودة لا تمتلك أي حاضنة اجتماعية، وتفرض نفسها بقوة السلاح. في حال استمرار توقف تصدير النفط العراقي، فإن ذلك سيؤدي إلى عدم دفع رواتب ومعاشات العمال والموظفين، ما يعني تأجيج الاحتجاجات الجماهيرية.

الخلاصة: تجنب الانزلاق وراء التيارات المتطرفة

ما يهمنا من هذا الصراع الدائر بين هذين التيارين هو عدم الانزلاق وراء التيار الأول الموالي للجمهورية الإسلامية، الذي يدافع عن بقائه بقدر بقاء النظام الإسلامي الحاكم في إيران، كما لا ينبغي الارتماء تحت مظلة التيار الشعبوي الآخر، الذي يرفع أعلام العراق في تظاهراته لإخفاء ماهيته الأيديولوجية. في الوقت نفسه، ينبغي عدم التوهّم بالسياسات الأميركية، التي لم ولن تبالِي بمن يدافع عن الحرية والمساواة، بل بمن يحمي مصالحها الاقتصادية ونفوذها السياسي.