سلاح حزب الله: مآثر استدراج الحروب وترهيب الدولة والسلم في لبنان
بعد مرور 51 عاماً على تاريخ 13 نيسان 1975، الذي يشكل نقطة تحول في أرشيف الحروب والكوارث اللبنانية، لا تزال قضية سلاح حزب الله تفرض نفسها كمعضلة جوهرية تهدد كيان الدولة واستقرارها. سواء أظهرت الأيام القادمة شمول لبنان باتفاق هدنة أمريكي - إيراني بوساطة باكستانية أم لا، فإن هذا لن يغير من الوقائع القاتمة التي ترافق الواقع الكارثي للبلاد، حيث يرتبط مصير لبنان الدائم بمشكلة لم تحل خلال عقود من زمن السلم المزعوم منذ اتفاق الطائف.
تاريخ من الحروب الإسنادية والاختراق الإيراني
لم يتصور اللبنانيون، حتى في أسوأ كوابيسهم، أن تعود حقبة من الزمن الحالي بعد أكثر من خمسة عقود لتملأ المشهد الداخلي بكابوس حرب يستعيد خطر تفتت الدولة وتفككها. هذا الخطر يأتي تحت سطوة سلاح فريق يدين بالولاء لإيران أولاً، دون أن يكون في حساباته الحفاظ على لبنان ككيان موحد. منذ نشوء حزب الله في مطالع الثمانينيات بفضل القابلة السورية - الإيرانية المشتركة، بلغ شأن الاختراق الإيراني للبنان عبر ذراعه حدود تفجير أربع حروب إسنادية متعاقبة.
تضمنت هذه الحروب: الحرب الأولى في 2006 عندما أوعزت طهران للحزب بفتح مواجهة في مزارع شبعا لتخفيف ضغط إسرائيل على غزة، والحرب الثانية من خلال تورط الحزب في سوريا دعماً لنظام بشار الأسد، والحرب الثالثة لإسناد غزة بعد طوفان الأقصى في 2023، ثم حرب إسناد إيران الأخيرة. هذه الحروب لم تكن مجرد صراعات عابرة، بل شكلت استباحة للسلاح الغريب الذي ينتهك السيادة اللبنانية، ويقوض الأمن والاستقرار.
تداعيات خطيرة على الدولة والسلم الأهلي
يخطئ من يحصر خطورة معضلة سلاح حزب الله في منع الدولة اللبنانية من امتلاك قرار السلم والحرب والتفاوض الحر المستقل فحسب. فالتجارب المتراكمة جعلت الاستعصاء عن منع الفتن الطائفية والمذهبية بسبب هذا السلاح الوجه الأخطر من استدراجه لحروب بناءً على الطلب الإيراني. الواقعة الدموية في اجتياح الحزب المسلح لبيروت الغربية في 7 أيار 2008 شكلت تاريخاً خطيراً بعد اتفاق الطائف، حيث عرّضت السلم الأهلي للانهيار.
كما أن الشكوك والشبهات في ملف تورط الحزب في الاغتيالات لم تكن أقل خطورة على تفكك عرى الأمن الاجتماعي والأمني. توسل خطاب التهديدات وممارسة الترهيب السياسي والإعلامي جعل هذه الأنماط أشبه بترسانة ترهيبية في ذاتها، تبلغ ذروتها في معاينة أثر رفع التهديد بالحرب الأهلية كفزاعة في وجه الحكومة والدولة.
تحديات الحاضر وآفاق المستقبل
عقب اتخاذ الحكم والحكومة الحاليين قرارات تاريخية بشأن حصرية السلاح في يد الدولة، وبدء تنفيذ الجيش لهذا القرار في جنوب الليطاني، ازدادت حدة الترهيب. أحداً لم يعد بإمكانه مجافاة حقيقة مفجعة، مفادها أن سلاح الحزب هزم تطلعات اللبنانيين إلى دولة حاسمة لا تهاب ترهيباً ولا تقف عند تهويل. الحرب التي أشعلها الحزب بإيعاز من الحرس الثوري الإيراني أودت بانتشار الجيش، ومنعت الدولة من التفاوض، وسقطت الثقة الداخلية والخارجية بالدولة.
بعد 51 عاماً من 13 نيسان، لم تعد رمزية تلك الذكرى تُقاس بحجم تراكمات وحروب تسبب بها سلاح آخر من داخل الدار، يُدار بقرارات من طهران. ذروة المآسي والمخاوف تكمن في أن يكون هذا السلاح قدراً لا فكاك منه، ما دامت دولة لبنانية كاملة المواصفات والقدرات، وقادرة على ترهيب من يرهبها، لن تقوم لها قيامة. هذا الواقع يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل لبنان في ظل استمرار هذه المعضلة التي تهدد وجوده كدولة مستقرة.



