من هو العدو الحقيقي لدول الخليج؟ تحليل استراتيجي للتهديدات الإيرانية والانقسام العربي
لم يكن هذا السؤال يحتاج إلى وقت طويل للإجابة عليه في دول الخليج العربي، فإيران التي تستهدف اليوم مدن الخليج بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة بدون طيار، كانت تشكل خطرًا معروفًا منذ اليوم الأول لتصدير ثورتها الإيديولوجية إلى المنطقة. خطابها التهديدي لم يكن مختلفًا جوهريًا عن خطابات الأنظمة العربية الثورية التي سبقتها في استهداف دول الخليج، لكن دول الخليج اختارت مسارًا مختلفًا تمامًا، قائمًا على الصبر والحكمة الاستراتيجية، وبناء شراكات إقليمية ودولية متينة تحيط نفسها بسياج من الاستقرار والأمان.
الضغط المزدوج: بين العدو الخارجي والمنظومة العربية
بينما كانت دول الخليج تحاول بناء توازن قوى إقليمي، كانت مؤسسات العمل العربي المشترك، مثل جامعة الدول العربية، تمارس ضغطًا مختلفًا تمامًا. هذا الضغط حوّل دول الخليج من شريك استراتيجي إلى متهم في سردية الأنظمة الثورية، التي تروج لفكرة أن الوجود الغربي في المنطقة يمثل استعمارًا جديدًا، وأن من يقبله هو عميل لا سيد. تحت هذا الضغط المزدوج، وجدت دول الخليج نفسها في موقف لم تختره، محاصرة بين عدو خارجي يستهدف أمنها مباشرة، ومنظومة عربية تطالبها بالصمت والرضوخ لهذا الاستهداف.
المفارقة الكبرى هنا ليست فقط في هذا التهديد المباشر، بل في أن هذا الخطر لا يُعرّف بالضرورة كعدو لدى أطراف إقليمية أخرى. وهذا هو الخلل الحقيقي في مفهوم الأمن القومي العربي المشترك، لأن السؤال لم يعد: من يهاجم الخليج؟ بل تحوّل إلى: من يعترف بهذا الهجوم كتهديد؟ ومن يتجاهله؟ ومن يبرره ضمنيًا ضمن حسابات سياسية مختلفة؟ في تقدير الخبراء، هذا الانقسام يمثل انكسارًا حقيقيًا لفكرة الأمن القومي العربي، لأن ما تعتبره دول الخليج تهديدًا وجوديًا، قد يراه آخرون ورقة توازن استراتيجي، أو حتى عمقًا إقليميًا، بحكم التقاطع في البنية الثورية أو الاشتراك في تعريف العدو المتمثل في إسرائيل.
التحول الاستراتيجي: نحو سيادة خليجية مستقلة
لقد عبّر المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الدكتور أنور قرقاش، عن هذا التحول بوضوح حين أكد أن العدوان الإيراني "يعزّز خصوصية أمن الخليج واستقلاليته عن المفاهيم التقليدية للأمن العربي". هذه الجملة تختصر مسار تحول استراتيجي طال انتظاره، حيث تتحرك دول الخليج نحو إعادة تعريف علاقاتها الإقليمية والدولية. ولعل ما صدر عن الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية ووزير خارجية مصر الأسبق، عمرو موسى، في مناسبات قريبة، يختصر هذه الذهنية في مشهد واحد، حين تساءل باستهجان عن دور الخليج "فيما عدا شراء الأسلحة"، مما يعكس نظرة دونية تجاه القدرات الخليجية.
هذا النمط المتجذر يرى في الخليج كيانًا قاصرًا يحتاج إلى وصاية، لا شريكًا سيّدًا يملك حق تقرير أمنه بنفسه. وفي المقابل، يحق لدول الخليج – كما أكد قرقاش صراحة – أن تتساءل عن دور مؤسسات العمل العربي والإسلامي المشترك في وقت تتعرض فيه شعوبها للعدوان المباشر. المسألة أعمق من مجرد خلاف سياسي عابر، فهي تتعلق باختلاف جذري في تعريف الأمن نفسه، مما يجعل أي حديث عن تحالفات عاطفية أو تضامن تلقائي مجرد وهم لم يعد قابلًا للاستمرار.
التاريخ يشهد: من غزو الكويت إلى التهديدات المعاصرة
الأنظمة العربية الثورية التي انقلبت على أنظمتها الشرعية منذ منتصف القرن الماضي، لم تنظر يومًا إلى الخليج كشريك متكافئ، بل ككيان يجب احتواؤه أو إعادة تشكيله. لم يكن ذلك مجرد خطاب أيديولوجي، بل سلوك عملي شمل:
- دعم معارضين مسلحين.
- احتضان تنظيمات إرهابية.
- تحريض إعلامي ممنهج.
- التلويح باستخدام القوة في مراحل مختلفة.
ومع ذلك، اختارت دول الخليج مسارًا مختلفًا، قائمًا على منظومة قيمية راسخة ترى في الاستقرار أولوية قصوى، وفي دعم المحيط العربي واجبًا إنسانيًا وسياسيًا. لقد تصرفت دول الخليج وكأنها جزء من مشروع عربي جامع، فدعمت وموّلت واحتوت، ووجدت الأعذار حتى في اللحظات التي كان يُفترض فيها إعادة التقييم. لكن المشكلة لم تكن في هذه القيم النبيلة، بل في البيئة السياسية التي وُضعت فيها، بيئة لا تعترف إلا بالبراغماتية القاسية والمصلحة الضيقة.
ولعل غزو الكويت عام 1990 لم يكن سوى التعبير الأكثر وضوحًا عن هذه الذهنية، حيث سقطت كل الشعارات القومية أمام حقيقة واحدة: حين تتقاطع الأيديولوجيا مع الطموح السلطوي، يصبح الخليج هدفًا مشروعًا. لكن الأهم من الحدث نفسه أنه كشف خللًا أعمق لم يُعالج، بل تم تجاوزه شكليًا، في غياب تعريف مشترك للأمن، واستعداد بعض الأطراف لتبرير العدوان إذا انسجم مع سردياتها السياسية.
الواقع الراهن: تهديد مباشر وصمت إقليمي
التطور الأخطر الآن هو أن التهديد أصبح مباشرًا ومعلنًا، تمارسه إيران بصواريخها وطائراتها المسيرة ضد المدن والمنشآت الحيوية في الخليج، بينما لا يزال جزء من الإقليم يتعامل مع هذا التهديد ببرود أو بصمت، لأن تعريفه للأمن القومي لا يشمل الخليج أصلًا. وهذا ليس خذلانًا فقط، بل تعبير صريح عن اختلاف المصالح والرؤى الاستراتيجية.
من حق كل دولة أن تعرّف أمنها كما تشاء، وأن تختار تحالفاتها وفق حساباتها الوطنية، لكن ليس من حق أحد أن يطلب من الخليج أن يدفع ثمن هذا الاختلاف أو يتجاهل تهديدًا مباشرًا لأمنه وسلامة شعوبه. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس سياسيًا فحسب، بل أعمق: لماذا تحوّل هذا التطاول من موقف استثنائي إلى سلوك متكرر ومقبول؟ ولماذا لا تكلّف هذه الجرأة أصحابها شيئًا على الصعيد الإقليمي؟
الخاتمة: نحو مستقبل سيادي خليجي
اليوم، دول الخليج لا تعيد فقط تعريف عدوها، بل تعيد تعريف علاقتها بالعالم من حولها. لم يعد هناك مجال للتماهي المجاني، ولا للدعم المفتوح دون شروط، ولا للوقوف في مناطق رمادية ترضي الجميع وتستنزف الداخل. الرسالة أصبحت واضحة: كل دولة خليجية ستتخذ موقفًا سياديًا خالصًا، يتماهى مع مصالحها وأمنها واستقرارها، وستُقاس كل خطوة من الآخرين بميزان دقيق.
وهنا يبقى سؤال لم يُطرح بعد بصراحة كافية: هل التوافق الإقليمي ممكن أصلًا بين منظومتين لا تتقاطعان في تعريف التهديد، ولا في تحديد العدو، ولا في رسم أولويات الأمن؟ الأنظمة الثورية لها إقليمها الذي تراه، والخليج له إقليمه الذي يعيشه. والوقائع أثبتت أن ما يجمعهما في مؤسسة واحدة ليس تقارب الرؤى، بل ثقل الموروث وتراكم الالتزامات. وحين تُصبح المؤسسة المشتركة أداةً لتكريس سردية من يرى فيك خصمًا لا شريكًا، يصبح السؤال الحقيقي: من الذي يتصرف كعدو، ومن يتصرف كشريك؟



