صراع الشرق الأوسط: بين تغيير النظام وتعديل السلوك
في أعقاب الاشتباكات الدامية التي شهدتها المنطقة، تتصاعد أعمدة الدخان في طهران بعد ليلة من القصف الأمريكي والإسرائيلي المكثف، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الصراع وأهدافه. يُعتبر تغيير سلوك النظام الإيراني الهدف الأقرب والأكثر واقعية للعمليات العسكرية الحالية، بينما يظل تغيير النظام نفسه خيارًا بالغ التكلفة ومحفوفًا بمخاطر الفوضى والتوسع الأمني.
التداخل بين الحرب والسياسة والاقتصاد
تُعد الحرب امتدادًا للسياسة، وبما أن السياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة، فإن الصراع الحالي في الشرق الأوسط يعكس هذا التداخل المعقد. العلاقة الجدلية بين هذه المفاهيم تجعل من الصعب رسم حدود فاصلة بينها، مما يفسر طبيعة المعارك الدائرة منذ فبراير 2016 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى.
يبرز سؤال أساسي حول الغاية من هذه المعارك: هل تهدف إلى تغيير النظام السياسي في إيران أم إلى تعديل سلوكه؟ كما يتساءل المحللون حول نطاق الصراع، هل يقتصر على إيران أم يمتد ليشمل دول الخليج والمنطقة بأكملها، أو حتى يمثل بداية لنظام دولي جديد؟
تفوق القدرات الأمريكية والإسرائيلية
بدايةً، يجب الإقرار بحقائق راسخة، حيث تتمتع الولايات المتحدة وإسرائيل بقدرات اقتصادية وعسكرية واستخباراتية وتكنولوجية تفوق بكثير ما تملكه إيران. هذه الدول لديها قدرة أعلى على تحويل عناصر القوة إلى تأثير فعال في مسار الصراع. لو كانت الغاية هي تغيير النظام، لكان الأمر مجرد مسألة وقت، خاصة في ظل المعاناة الاقتصادية للشعب الإيراني بسبب العقوبات الطويلة الأمد.
ومع ذلك، لم تعلن الولايات المتحدة أو إسرائيل عن مشروع لتغيير النظام، مما يشير إلى أن هذا الهدف غائب عن مخطط الصراع. بدلاً من ذلك، تركز التصريحات الأمريكية على "تعظيم" الولايات المتحدة، بينما تحاول إسرائيل بث رسائل حول "قدراتها الخارقة"، دون الإعلان عن نية لتغيير النظام الإيراني برمته.
تغيير السلوك الخارجي كهدف رئيسي
يظل تغيير سلوك النظام السياسي الإيراني هدفًا جوهريًا للعمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، لأنه الأقرب إلى التحقيق. أي تغيير جذري في الأنظمة يتطلب بدائل واضحة، وهو ما لا يتوفر عند محاولة تغيير النظام ككل. لذلك، يُعتبر تعديل سلوك النظام القائم عبر استهداف أسسه ومبادئه الخيار الأكثر واقعية.
الدليل على ذلك هو بقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة طوال فترة الصراع، بل وتزايدها مع تصاعد حدته. على سبيل المثال، اجتماع وزراء خارجية باكستان والسعودية وتركيا ومصر يشير إلى اتساع الصراع أفقيًا وعموديًا، مع وجود آليات دبلوماسية وعسكرية لم تستخدم بعد، مثل إشراك اليمن ممثلًا بالحوثيين، مما قد يؤثر على الممرات المائية الحيوية.
التركيز على السلوك الخارجي بدلاً من الداخلي
يتضح من تتبع التصريحات والتفاعلات الدبلوماسية أن الهدف الأساسي هو تغيير السلوك الخارجي للنظام الإيراني، بينما يُعتبر السلوك الداخلي شأنًا داخليًا لا ينبغي التدخل فيه. تستخدم الولايات المتحدة الاحتجاجات الداخلية كوسيلة للضغط لتعديل السلوك الخارجي، مما يعكس براغماتيتها في تحقيق المصلحة العليا الأمريكية.
لماذا التركيز على تغيير السلوك بدلاً من النظام نفسه؟ لقد أثبتت الأحداث منذ انهيار الاتحاد السوفيتي أن تغيير الأنظمة الشمولية غالبًا ما يولد قوى شمولية متعددة، مما يؤدي إلى انفلات أمني وتهديدات إقليمية ودولية. فشلت تجارب في دول مثل أفغانستان والعراق وسوريا في بناء دول مواطنة، وسقط النموذج الديمقراطي الأمريكي الذي دعت إليه الولايات المتحدة.
نحو نظام دولي جديد
يُقال إن من نتائج هذه المرحلة ظهور نظام دولي جديد، حيث لا تحتل الولايات المتحدة موقع الصدارة الذي كانت عليه في نهاية القرن العشرين. هذا التحول يعكس تعقيدات الصراع الحالي وتداخله مع عوامل سياسية واقتصادية عميقة، مما يجعل من تغيير السلوك الإيراني هدفًا أكثر واقعية من تغيير النظام برمته.
في الختام، يبقى الصراع في الشرق الأوسط مرآة للتداخل بين الحرب والسياسة والاقتصاد، مع تركيز الجهود الأمريكية والإسرائيلية على تعديل السلوك الخارجي لإيران كاستراتيجية عملية، بينما تتجنب مخاطر التغيير الجذري التي قد تؤدي إلى فوضى أوسع.



