خطاب ترامب الأخير: تكرار للتناقضات وغياب الرؤية الاستراتيجية
توقع العديد من المراقبين أن يأتي خطاب الرئيس الأمريكي الأخير بجديد في معالجة الأزمة الإقليمية، خاصة مع الحملة الدعائية المكثفة التي سبقت إلقاءه على مسامع الشعب الأمريكي والعالم. لكن المفاجأة كانت تكرار نفس الخطابات اليومية المعتادة، مع تناقضات واضحة وتضارب في المعلومات التي لا تعكس الواقع الحقيقي للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
الموقف من إيران: بين المبادئ والواقع
نحن نؤيد بقوة منع إيران من امتلاك أسلحة نووية وصواريخ بعيدة المدى، كما نعارض بناء قوة عسكرية تهدد دول المنطقة. يجب العمل على إضعاف النفوذ الإيراني ومنع وجود وكلاء وأذرع لها في الدول العربية، ووقف تدخلها في شؤون الدول الأخرى، والتعامل معها بحزم لمنع تصدير ثورتها العدوانية.
ومع ذلك، لم تحسم المعركة بعد، فإيران ما زالت تواصل هجماتها على إسرائيل والقوات الأمريكية في المنطقة، وتعتدي على دول مجلس التعاون الخليجي والأردن. وفي الوقت نفسه، يصر الرئيس ترامب على تكرار ادعاءاته بأنه قضى على القوات الجوية والبحرية الإيرانية ومنصات صواريخها، وأنه انتصر عليها، حتى بعد القضاء على قادتها العسكريين.
إيران: خطر مستمر منذ 47 عاماً
تظل إيران دولة شريرة وعدوانية تشكل خطراً حقيقياً على دول المنطقة والعالم منذ 47 عاماً، وتحديداً منذ نهاية حكم الشاه بمساعدة أمريكا والغرب، وتولي الخميني السلطة. المنطقة تعيش في حالة غليان دائم، دون القدرة على كبح جماح السلوك الإيراني الذي يعرض الأمن والسلام الإقليمي والعالمي للخطر، ودون أي تأثير يذكر للمحاولات الدبلوماسية أو حتى العسكرية لإنهاء هذا التهديد.
خطاب الرئيس الأمريكي الذي لم يأت بجديد، وحربه مع إيران إذا توقفت عند هذه المرحلة، ستمنح طهران الفرصة لإعادة بناء قوتها العسكرية من جديد. فالنزعة الشريرة والطموح التوسعي وتصدير الثورة هي سياسات متجذرة في النظام الحاكم، وحتى من سيخلفه في قيادة إيران لن يكون أقل تشدداً أو أحسن حالاً.
إسرائيل: الاستفادة من الفراغ الأمني
وبافتراض صدق تصريحات الرئيس ترامب، وتجاهل تناقضاتها ومخالفتها لواقع سير المعارك، فإن إخلاء المنطقة من التهديد الإيراني سيوفر لإسرائيل مناخاً مثالياً لمواصلة توسعها وعدوانها. ستتمسك أكثر بسياسة رفض إقامة دولة فلسطينية، مستفيدة من خلو الساحة من منافس قوي، وتمتعها بقوة عسكرية ضاربة، ودعم غير محدود من أمريكا والدول الأوروبية.
السؤال المطروح: هل أمريكا مستعدة لمنع إسرائيل من مواصلة توسعها وعدوانها على جيرانها؟ هل سيكون احتلالها للأراضي السورية واللبنانية خطاً أحمر يفرض الانسحاب؟ وهل ستنظر إلى دعمها للأقليات الانفصالية مثل الدروز في سوريا على أنه تدخل في الشؤون الداخلية وتمنعه؟
فقط عندما نرى إجابات واضحة على هذه الأسئلة، يمكننا أن نكون على يقين بأن المنطقة مقبلة على هدوء وأمن واستقرار حقيقيين، بعد التخلص من قوتين شريرتين هما إيران وإسرائيل.
غياب بصيص الأمل في سياسة ترامب
سياسة الرئيس ترامب لا تعطي أي بصيص أمل بأن المنطقة أمام فرصة تاريخية لصنع السلام. لا توجد مؤشرات على أن شعوب المنطقة مقبلة على مرحلة تنعم فيها بحقوقها، بعيداً عن الاستقواء والتهديد والأطماع التوسعية على حساب أراضي الغير.
نحن نرى أن لدى الرئيس الأمريكي فرصة ذهبية ليكون رجل سلام حقيقي، يضع ثقل وقوة أمريكا في خدمة السلام الشامل في المنطقة، وليس فقط سلام إسرائيل. بهذه الطريقة، يمكن لأمريكا أن تحتفظ بصورة جميلة وسياسة عادلة، عندما تقف على مسافة واحدة من جميع مصالح دول المنطقة. وهي قادرة دون شك على فعل ذلك، والاحتفاظ بتقدير العالم الحر لها.



