نواف سلام في مواجهة منظومة السلطة: معركة تحرير الدولة اللبنانية
في قلب المشهد السياسي اللبناني المعقد، يقف رئيس الحكومة نواف سلام بين مطرقة يمينين متعارضين، لكل منهما رؤيته وسرديته الخاصة، ومقدساته التي لا يتنازل عنها. هذان اليمينان، رغم تناقضهما الحاد، يشكلان معاً منظومة سلطة متحكمة في مقدرات الدولة ومؤسساتها، حيث يتقاسمان الكيان والصيغة والسلطة في لعبة سياسية محفوفة بالمخاطر.
اليمينان المتعارضان: وجهان لعملة واحدة
ليس بالضرورة أن يكون هذان اليمينان طائفيين بالكامل، وإن غلبت الصبغة الطائفية على أحدهما. فهما يمثلان امتداداً غير صحي لكل من الحركة الوطنية بغالبها المسلمة والجبهة اللبنانية بغالبها المسيحية، وقد شكلا معاً نظام ما بعد الحرب الأهلية الذي استمر لعقود.
بين هذين القطبين، تضيق مساحة الدولة الحقيقية، وتتقلص مؤسساتها التي أوكلت إلى قاضٍ جاء من أقصى المدينة يسعى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. في هذا السياق، يواجه نواف سلام من موقعه الرسمي كرئيس للحكومة، ومن موقعه الوطني كأكاديمي وسياسي معتدل، صداماً مزدوجاً مع هذين اليمينين المختلفين في الشكل والمتشابهين في الجوهر.
التحديات المزدوجة: بين المزايدة السيادية والوطنية
من ناحية، يواجه سلام يميناً يزايد عليه سيادياً في قضايا مصيرية مثل حصر السلاح وآليات اتخاذ قرار الحرب والسلم. هذا اليمين يتصرف وكأن السلام متاح بمجرد المطالبة به، متجاهلاً الدروس القاسية من التجارب السابقة التي أثبتت أن في العجلة ندامة، حتى مع تغير بعض حسابات القوى الخارجية.
من الناحية الأخرى، يقف في وجهه يمين آخر يزايد وطنياً، يختزل التاريخ والجغرافيا بالبندقية والعقيدة، ولا يرى في الاختلاف حول تفسير السلام وشروطه إلا نوعاً من الخيانة. هذا اليمين يضع نفسه فوق الدولة، فلا يؤمن بسلاح واحد ولا جيش واحد ولا قرار واحد، ويعتمد التعدد في كل ما يخص الدولة مقابل احتكار حصري لكل ما يتصل بمحوره الخاص.
عواقب الوكالة الحصرية: حرب إهلاك جديدة
قادت الوكالة الحصرية لهذا اليمين الثاني إلى حرب إهلاك جديدة لبيئته، مع استنزاف خطير في الأرواح والأرزاق، ومخاطر جسيمة في تحولات ديمغرافية وجغرافية طويلة الأمد ستلقي بظلالها القاتمة على الحاضر والمستقبل. بين الوعد بالنصر الدائم وواقعهم الصعب، يواجه قادة هذا اليمين صعوبة في تحمل مسؤوليات نكبتهم، فوجدوا ضالتهم في نواف سلام ككبش فداء.
لكن الأزمة الحقيقية لهذا اليمين، الذي فقد امتيازاته ما فوق الدولة، ليست مع نواف سلام بقدر ما هي مع السؤال الصعب الذي ستطرحه عليه بيئته ذات يوم: فالنصر الموعود لم يمنعه سلام، وعندما تتوقف الحرب سيصبح سؤال السلم أصعب بكثير. عندها، ستكون المكاشفة قاسية، وسيغدو نواف سلام مرآة تعكس وجه الحقيقة المرة؛ لذلك قرر هذا الفريق شيطنته وتصويره كعدو يجب التخلص منه.
مقاومة الاعتدال: سلام يرفض المساومة
لا الهتافات المحرضة، ولا التهديد بإسقاط حكومته، ولا التلويح بالشارع، ستثني نواف سلام عن مساومة على مقاس السلطة أو تقاسمها. فهو يدرك جيداً أن كلا اليمينين لا يرون فيه إلا ثقلاً على مشروع السيطرة على الدولة، كأنه ورم حميد يتوسع وينبغي استئصاله، حتى تعود الدولة أقل من حجمها، وتعود منظومة السلطة أكبر من دولتها.
هذه المنظومة، بيمينيها المتعارضين، تفقد السيطرة تدريجياً على المشهد، لكنها لا تزال تقاوم بكل قوة. وأكبر مواجهاتها اليوم هي مع نواف سلام المعتدل في انتمائه، الصارم في مواقفه، الذي يمثل هدفاً ظاهراً للحزب وإخوانه وسلاحه، وهدفاً مضمراً لمنظومة السلطة وفسادها المستشري.
الاستمرار في الاعتدال: تحدٍ في زمن التطرف
يتمنى اليمينان مجتمعين إسقاط نواف سلام وإبعاده عن المشهد السياسي، لكنه على ما يبدو باقٍ على وسطيته واعتداله، بل ويتمدد في مواقفه رغم كل الضغوط. معركته ليست مع أشخاص أو جماعات بعينها، بل مع نظام فاسد يحاول الحفاظ على امتيازاته على حساب الدولة ومؤسساتها.
في النهاية، تبقى معركة نواف سلام مع اليمينين اللبنانيين انعكاساً للصراع الأعمق في لبنان بين منطق الدولة ومنطق السلطة، بين مؤسسات يجب أن تخدم الجميع وجماعات تسعى لاحتكار الخدمة لأنفسها. وهي معركة ستحدد إلى حد كبير مستقبل لبنان كدولة قادرة على النهوض من كبوتها، أو ككيان يستمر في الانقسام والضعف.



