رخاوة الرقابة الأوروبية: شريك غير مباشر في تغذية آلة الحرب الإيرانية
ليس من النادر أن يُعثر داخل الطائرات المسيرة الإيرانية على مكونات أوروبية الصنع، مما يثير تساؤلات خطيرة حول فعالية أنظمة الرقابة في أوروبا. رغم الإدانات السياسية المتكررة لإرهاب إيران، تستمر هذه المكونات الحساسة في الوصول إلى برامج عسكرية معروفة، مما يجعل الدول الأوروبية شريكًا غير مباشرًا في تغذية آلة الحرب.
ثغرات معروفة وإرادة سياسية غير مكتملة
حين تُفكَّك الطائرات المسيرة والصواريخ التي تستهدف دول الخليج والأردن وإسرائيل، ويُعثر داخلها على مكونات أوروبية، تمتد المشكلة إلى مصانع تعمل تحت أعين أنظمة رقابية يُفترض أنها من الأكثر صرامة في العالم. المسألة هنا ليست مجرد تفصيلة تقنية، بل سؤال سيادي حول كيفية عبور هذه المكونات عشرات الحدود دون توقف عند نقاط تفتيش قانونية.
كيف تتحول الشرائح الإلكترونية ووحدات الملاحة وأنظمة الاتصال إلى شرايين تغذي آلة حرب، بينما تبقى الدول المنتجة متمسكة بسردية "الاستخدام المدني"؟ الجواب الصريح يكمن في رخاوة الرقابة وثغرات معروفة وإرادة سياسية غير مكتملة لإغلاقها.
منظومات التحقق على الورق فقط
منظومات التحقق من المستخدم النهائي تُطبَّق على الورق، لكن يُلتف عليها عبر شركات واجهة وشحنات مُعاد توجيهها وسلاسل توريد متعددة الطبقات. تُباع المكونات لوسيط "نظيف" ثم تُمرَّر عبر دولة ثالثة، لتصل في النهاية إلى برامج عسكرية معروفة. هذه ليست حيلاً جديدة، بل مسارات مُكرَّرة تم توثيقها مرارًا وتكرارًا.
الاعتراض المعتاد من تلك الدول هو أن "هذه مكونات مدنية" وأنه "لا يمكن خنق التجارة العالمية بسبب احتمالات سوء الاستخدام". لكن هذا الطرح يتجاهل حقيقة جوهرية: حين يتكرر النمط، يتحول "الاحتمال" إلى سلوك مُتوقع.
التناقض بين الخطاب والممارسة
الأكثر إرباكًا هو التناقض بين الخطاب والممارسة. نفس الدول التي تُدين "أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار" وتُصنّف أذرعها كمنظمات إرهابية، تُبقي قنوات الإمداد التقنية مفتوحة عمليًا ولو بشكل غير مباشر. تُصدر بيانات صارمة، لكنها تتباطأ في تحديث قوائم الرقابة على الصادرات ولا توسّع بما يكفي نطاق السلع الحساسة.
النتيجة هي إرهاب يُدان سياسيًا ويُغذّى تقنيًا. لا يتعلق الأمر بدعوة إلى إغلاق الأسواق، بل إلى إدارة المخاطر بجدية. هناك أدوات معروفة وفعّالة تحتاج إرادة لتفعيلها.
أدوات فعالة لإغلاق الثغرات
- توسيع قوائم السلع الخاضعة للرقابة لتشمل مكونات محددة ثبت استخدامها المتكرر في أنظمة مسيرة وصاروخية.
- فرض العناية الواجبة المعزَّزة على الشحنات المتجهة إلى دول أو شركات ذات سجلّات إعادة تصدير مريبة.
- تتبع تسلسلي للمكونات وربطها بقواعد بيانات مشتركة بين الدول لتحديد مسار القطعة من المصنع إلى المستخدم النهائي.
- فرض عقوبات فعلية على الشركات الوسيطة التي تتورط عن قصد أو بإهمال في تحويل المسارات.
- تفعيل شراكات استخباراتية وصناعية مع دول المنطقة المستهدفة لتبادل الأدلة الفنية بسرعة.
تطبيع الثغرات والأخطار الاستراتيجية
الأخطر من الثغرات هو تطبيعها. حين يُنظر إلى تسرب المكونات كأمر لا مفر منه في اقتصاد معولم، تُمنح الجهات المعادية مساحة زمنية ثمينة لتطوير قدراتها. كل جيل جديد من المسيرات يصبح أكثر دقة وأقل كلفة لأن "القطع الصغيرة" تواصل التدفق.
الموقف السياسي الرافض للمشاركة في مواجهة إرهاب إيران مفهوم ضمن حسابات الخوف من التصعيد والطاقة والهجرة. لكن غير المفهوم هو الجمع بين الحياد العسكري والقصور الرقابي. إذا اختارت دولة ما ألا تكون طرفًا في حرب، فهذا خيار سيادي. أما أن تسمح بمرور ما يُستخدم في تلك الحرب، فذلك يضعها في منطقة رمادية أخلاقيًا واستراتيجيًا.
الوضوح المطلوب والمسؤولية المشتركة
الوضوح مطلوب: لا أحد يطالب أوروبا بأن تقاتل نيابة عن أحد. المطلوب أن تغلق الباب الخلفي الذي يدخل منه ما يُستخدم في ضرب مدن وشعوب. أن تتحول إداناتها إلى سياسات تنفيذية قابلة للقياس، لا بيانات موسمية.
في النهاية، الإرهاب لا يحتاج إلى مصانع عملاقة بقدر ما يحتاج إلى ممرات مفتوحة. وإذا كانت تلك الممرات تمر عبر أنظمة يُفترض أنها الأكثر تقدمًا في العالم، فإن المشكلة لم تعد في السلاح وحده، بل في من سمح بمروره.



