تحذير أخلاقي من البابا وموجة احتجاج أميركية ضد حرب بلا استراتيجية
في خطاب مؤثر خلال عيد الشعانين، وجه البابا تحذيراً أخلاقياً صارخاً ضد محاولات استخدام الدين لتبرير الحروب، قائلاً: "يسوع، ملك السلام، الذي يرفض الحرب، والذي لا يستطيع أحد أن يستخدمه لتبرير الحرب. هو لا يصغي إلى صلوات من يشنون الحروب، بل يرفضها، قائلاً: حتى وإن أكثرتم الصلاة، فلن أسمع لكم، لأن أيديكم ملأى بالدم". لم تكن هذه الكلمات مجرد عظة عابرة، بل تنبيه متأخر إلى عالم يوشك أن يفقد آخر ما تبقى من رشده، حيث رفض البابا الخلط بين الله والنار، وبين الصلاة والقصف، وبين المذبح وغرفة العمليات.
رمزية خطاب البابا الأميركي
ما منح هذا الخطاب ثقلاً استثنائياً هو أنه صدر من أول بابا أميركي، ليس كسيرة شخصية، بل كرمزية شديدة الحساسية. فالتذكير بأخلاق القوة جاء من رجل ينتمي، جغرافياً وثقافياً، إلى البلاد التي ترى نفسها مركز القرار العالمي، وكأن أميركا، وهي تتحدث إلى العالم بلغتها الصلبة، وجدت من داخلها من يهمس لها أخيراً بضرورة التريث والتفكير.
الشارع الأميركي يرفض عبثية الحرب
بينما كان البابا يجرد الحرب من غطائها الأخلاقي، كان الشارع الأميركي يقول بطريقته الأكثر صخباً ووضوحاً إن هناك شيئاً عميقاً لم يعد مقبولاً. فلم تكن تظاهرات "لا ملوك" الأخيرة حدثاً احتجاجياً عابراً، بل موجة اعتراضية أكثر كثافة واتساعاً، تركزت حول سؤال الحرب نفسها. تجاوز عدد المتظاهرين ثمانية ملايين شخص، وانطلقت من ولاية مينيسوتا، لا من واشنطن أو نيويورك، مما منحها رمزية سياسية مشحونة.
مينيسوتا: مرآة التوتر الأميركي
تحولت مينيسوتا في الأسابيع الأخيرة إلى مرآة مبكرة للتوتر الأميركي كله، حيث تجسد الصراع بين:
- الدولة الفيدرالية والشارع.
- القوة التنفيذية والمجتمع.
- خطاب الأمن ومنطق الإفراط فيه.
هذه الاحتجاجات لم تكن ضد الرئيس وحده، بل ضد عبثية استراتيجية الحرب التي أُدخلت إليها البلاد، حيث يرى المحللون داخل الولايات المتحدة أن الحرب بدأت قبل أن تُعرَّف، مع غياب وضوح حقيقي في أهداف واشنطن.
غياب الاستراتيجية: فجوة مرعبة
أظهرت تصريحات الرئيس تناقضات حول أهداف الحرب، ما بين إنهاء البرنامج النووي الإيراني أو ردع إيران أو إضعاف النظام أو إسقاطه. هذا الخلل في تعريف الحرب يخلق فجوة مرعبة بين الضربة والنتيجة، حيث تستطيع القوة أن تدمر، لكن السياسة تعجز عن البناء بعد الدمار. الحرب مع إيران ليست ملفاً يمكن التعامل معه بعقلية "اضرب ثم قرر لاحقاً"، فهي عقدة مشدودة في شبكة شديدة الحساسية تؤثر على:
- أمن واقتصاد الخليج.
- الوضع العسكري الاستراتيجي لإسرائيل.
- الواقع الميداني في العراق وسوريا ولبنان.
- استقرار أسواق الطاقة العالمية.
- ردود فعل روسيا والصين وأوروبا.
خيط واضح بين البابا والشارع
ربما لم تكن كلمة البابا بعيدة عن الشارع كما تبدو، فبين منبر الكنيسة وهتاف المتظاهرين، هناك خيط واحد واضح: أن العالم لم يعد يحتمل حرباً بلا روح، ولا أميركا تحتمل حرباً بلا عقل. إذا كانت الرئاسة في واشنطن لا تزال تصر على مخاطبة النار باللغة نفسها التي أشعلتها بها، فربما حان الوقت لأن يقال لها: "فخامة الرئيس: لا يكفي أن تعرف كيف تبدأ الحرب، الأهم أن تعرف لماذا بدأت؟ وإلى أين تريد أن تأخذ العالم بعدها؟". فالاستراتيجية ليست ترفاً في الحروب، بل الحد الأدنى من الرشد قبل إشعالها.



