المشروع الإيراني: قراءة في الجذور الأيديولوجية والتاريخية
لا يمكن بأي حال من الأحوال اختزال الأزمة مع إيران في مجرد ظرف سياسي عابر، أو ربطها بوجود عسكري هنا أو هناك. نحن أمام مشروع ممتد، له جذور أيديولوجية وتاريخية عميقة، يتطلب قراءة واعية وموقفاً واضحاً من جميع الأطراف المعنية. فالتاريخ لا يُنسى بسهولة، والجغرافيا لا تُعاد كتابتها عبر الشعارات الجوفاء، والأمن لا يُبنى على حسن النيات أو الوعود الزائفة.
جوهر المشكلة: مشروع متكامل الأركان
ليست المشكلة مع إيران، كما يحاول البعض تبسيطها، في ملفها النووي وحده، ولا في سباق التسلح الذي تتقنه طهران كأداة تفاوضية أكثر من كونه غاية نهائية. المشكلة أعمق بكثير؛ إنها مشكلة مشروع متكامل الأركان، ممتد الجذور، يتغذى على فكرة أيديولوجية ترى في المنطقة العربية ساحة نفوذ تاريخي يجب استعادته، وليست مجرد جغرافيا سياسية يجب التعايش معها بسلام.
على مدى عقود طويلة، وتحديداً منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، عملت طهران بصبر استراتيجي يمكن تشبيهه بحياكة السجاد: خيوط دقيقة وبطيئة، لكنها متصلة بقوة، بهدفها النهائي المتمثل في تطويق الخليج العربي. لم يكن هذا التمدد عبر القوة الصلبة المباشرة فقط، بل عبر أدوات متعددة ومتنوعة، أبرزها توظيف الشعارات الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، كغطاء أخلاقي وسياسي للتوسع والنفوذ.
أدوات التمدد: من تصدير الثورة إلى الأذرع المسلحة
لكن الحقيقة التي لم تعد خافية على أحد، أن "تصدير الثورة" لم يكن إلا اسماً آخر لتمدد النفوذ الإيراني خارج الحدود، وأن فلسطين، في الخطاب الإيراني الرسمي، تحولت إلى ورقة سياسية أكثر منها قضية إنسانية حقيقية. لم تبنِ إيران حضورها القوي في المنطقة عبر الثقافة أو الاقتصاد أو حتى الدبلوماسية التقليدية، بل عبر الأذرع المسلحة، والميليشيات العابرة للحدود، ونشر الفوضى كأداة فعالة لإعادة تشكيل الواقع الجيوسياسي.
ولعل تباهي المسؤولين الإيرانيين يوماً بالسيطرة على أربع عواصم عربية لم يكن زلة لسان عابرة، بل تعبيراً صريحاً وواضحاً عن طبيعة هذا المشروع التوسعي. حين أعلن الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما التوصل إلى الاتفاق النووي مع طهران، لم يكن القلق العربي نابعاً من رفض السلام أو التفاهم الدولي، بل من إدراك عميق أن المشكلة ليست في النووي وحده.
التاريخ يشهد: هجمات إرهابية سبقت القواعد الأميركية
كان هناك شعور قوي بأن العالم يتجاهل جوهر الأزمة الحقيقية، ويختزلها في أجهزة الطرد المركزي والتقنيات النووية، بينما الحقيقة تكمن في السلوك الإقليمي العدائي لإيران، وفي عدائها التاريخي للعرب. لم يكن العرب دعاة حرب أو صراع، بل كانوا شهوداً على مشروع يتمدد تحت سمع وبصر المجتمع الدولي.
اليوم، تتقاطع مصالح الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس دونالد ترمب، مع مصالح دول المنطقة في مواجهة إيران، لكن هذا التقاطع لا يجب أن يُفهم باعتباره تبعية عمياء، بل قراءة واقعية لمشهد معقد تتداخل فيه المصالح الدولية. فإيران، في جوهر مشروعها التوسعي، لا تستهدف واشنطن فقط، بل ترى في المنطقة العربية ساحة مركزية لنفوذها وأهدافها.
في هذا السياق، تأتي التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني لتكشف حجم التناقض الكبير في الخطاب الإيراني الرسمي. الحديث عن أن الحرب كانت "نقطة ذهبية" منعت قوتين نوويتين من تحقيق أهدافهما، يتناقض بشكل صارخ مع خطاب الضحية الذي تحاول طهران تسويقه على المستوى الدولي. والادعاء بعدم العداء لدول المنطقة، وأن الاستهداف يقتصر على القواعد الأميركية، هو تبسيط مخل للحقيقة، بل تضليل متعمد للرأي العام.
أحداث تاريخية تثبت طبيعة المشروع
فأي متابع واعٍ للأحداث يدرك جيداً أن استهداف دول الخليج العربي لم يبدأ مع وجود القواعد الأميركية، بل سبقها بعقود طويلة. التاريخ لا يمكن محوه أو إعادة كتابته وفق الحاجة السياسية الآنية. منذ الثمانينيات من القرن الماضي، كانت دول الخليج هدفاً مباشراً لعمليات إرهابية وهجمات منظمة مرتبطة بإيران:
- في عام 1981، شهدت البحرين محاولة انقلاب مدعومة بشكل مباشر من طهران.
- في 1983، تعرضت الكويت لسلسلة تفجيرات متزامنة استهدفت منشآت حيوية ومرافق عامة.
- في العام التالي، لم تسلم ناقلات النفط السعودية والكويتية من الهجمات الإيرانية المتكررة.
أما اختطاف طائرة الجابرية، ومحاولة اغتيال أمير الكويت، وتفجيرات المقاهي الشهيرة، فكانت جميعها شواهد إضافية على نمط من السلوك العدائي لا يمكن تفسيره بوجود قواعد أجنبية في المنطقة. وفي السعودية، لم يكن المشهد مختلفاً أبداً:
- ضبط متفجرات بحوزة حجاج إيرانيين في مطار جدة الدولي.
- أحداث الشغب في الحج عام 1987 التي أودت بحياة المئات من الحجاج.
- تأسيس ما عُرف بـ"حزب الله الحجاز" بدعم إيراني واضح.
- اقتحام السفارة السعودية في طهران، واستهداف الدبلوماسيين السعوديين.
- محاولات متكررة لإدخال متفجرات إلى محيط الحرم المكي الشريف.
كل هذه الأحداث الخطيرة وقعت قبل أن تُدشَّن أول قاعدة أميركية في الخليج عام 1991. هذه الحقيقة وحدها كفيلة بإسقاط الرواية الإيرانية التي تربط عداءها بوجود عسكري أجنبي. فالمشكلة الحقيقية ليست في القواعد العسكرية، بل في عقيدة سياسية راسخة ترى في المنطقة العربية مجالاً حيوياً للنفوذ والسيطرة.
الخلاصة: مشروع يتطلب موقفاً واضحاً
أما الحديث عن مضيق هرمز، ومحاولة تصويره كأداة انتصار وحيدة، فهو امتداد طبيعي للنهج الإيراني ذاته: تحويل الجغرافيا إلى ورقة ضغط سياسية، والاقتصاد العالمي إلى رهينة في لعبة سياسية محفوفة بالمخاطر. لكن الحقيقة الثابتة أن استقرار هذا الممر الحيوي ليس شأناً إيرانياً بحتاً، بل مسؤولية دولية مشتركة، وأي محاولة لاحتكاره أو التحكم فيه ستقود حتماً إلى مزيد من التوتر والصراع، لا إلى "هزيمة العدو" كما يُروَّج في الخطاب الإيراني.
في النهاية، لا يمكن اختزال الأزمة مع إيران في ظرف سياسي عابر، أو ربطها بوجود عسكري هنا أو هناك. نحن أمام مشروع ممتد، له جذور أيديولوجية وتاريخية عميقة، يتطلب قراءة واعية، وموقفاً واضحاً وحاسماً من جميع الأطراف. فالتاريخ لا يُنسى، والجغرافيا لا تُعاد كتابتها بالشعارات الجوفاء، والأمن لا يُبنى على حسن النيات أو الوعود الزائفة.



