لماذا تخوض أميركا حرباً على إيران رغم تداعياتها الاقتصادية الكبيرة؟
في ظل تصاعد التوترات العالمية، تبرز تساؤلات عميقة حول أسباب اختيار الولايات المتحدة الأمريكية خوض حرب مع إيران، على الرغم من التداعيات الاقتصادية المعروفة والمتوقعة. فالأهداف المعلنة لهذه الحرب تشمل الملف النووي الإيراني، والأسلحة الهجومية، والسلوك السياسي التخريبي لإيران خارجياً، لكن هذه القضايا ليست جديدة، وكان يمكن التعامل معها منذ سنوات قبل أن تنضج هذه المشاريع عند إيران.
الأهداف المعلنة والاستراتيجيات الخفية
يبدو أن السكوت الظاهري عن هذه القضايا لسنوات كان يهدف إلى تحقيق أهداف إقليمية واستنزاف إيران عبر تقليص حجم التنمية فيها، لصالح مشاريع يتم تدمير مقوماتها حالياً. فالحرب تحتاج إلى عمل كبير له تبعاته وتداعياته، حتى لو كانت لفترة مؤقتة هذا العام، لكن التكاليف تبدو مقبولة في ضوء المكاسب المستقبلية.
على صعيد الأثر الاقتصادي، ليس بجديد أن تظهر تقارير من مراكز أبحاث أو بنوك عالمية تحذر من أن هذه الحرب، الواقعة في أكثر مناطق العالم تأثيراً على الاقتصاد العالمي، تسببت في ارتفاع أسعار الطاقة ونقص إمدادات النفط والغاز والأسمدة، مما قد يؤدي إلى ركود تضخمي إذا استمرت. فمع وصول أسعار النفط إلى 150 دولاراً، تعتبر هذه الأزمة غير مسبوقة في تأثيرها، كما يظهر من خلال قرارات تقنين استهلاك الطاقة والوقود في عدة دول، وارتفاع أسعار بعض السلع عالمياً بسبب تكاليف الشحن.
التداعيات الاقتصادية على أميركا والعالم
في أميركا، رغم أنها لا تعاني من نقص في إمدادات الطاقة كونها أكبر منتج وتستورد احتياجاتها المتبقية من جيرانها مثل كندا وفنزويلا، مع اعتماد ضئيل جداً على نفط الشرق الأوسط، إلا أن أسعار الوقود ارتفعت بشكل كبير، مما أدى إلى غلاء العديد من السلع الاستهلاكية. رسمياً، أوضح رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي جيروم باول أن هذه الحرب لها تأثيرها في التضخم، مشيراً إلى عدم معرفة الآثار الكاملة للوضع الحالي على الاقتصاد.
هذا يطرح سؤالاً محورياً: إذا كانت أميركا، المعروفة بدقة توقعاتها الاقتصادية وامتلاكها أكبر مراكز الأبحاث المتقدمة، فلماذا تخوض حرباً معروفاً أن تداعياتها ستؤدي إلى غلاء الأسعار وتأثير على إنفاق المستهلك، الذي يشكل حوالي 70% من الناتج الإجمالي الأمريكي البالغ أكثر من 30 تريليون دولار سنوياً؟ كما أن هذه التداعيات قد ترفع التضخم وتغير خطط الفيدرالي بخفض الفائدة، مما يتناقض مع واقع سوق العمل الضعيف حالياً.
تحليل أعمق للتوجهات الأمريكية
لابد من تحليل أعمق لفهم توجهات أميركا في السنوات العشر الماضية على الأقل، حيث ظهرت قرارات صادمة بحركات سياسية وعسكرية غير متوقعة، دون استثناء للحزبين الحاكمين. فسواء كان الرئيس ديمقراطياً أو جمهورياً، فإن التحرك الخارجي يأتي ضمن سياق أهداف استراتيجية ثابتة، مع اختلاف في التكتيكات المرحلية.
من عهد كلينتون، الذي بدأ التأسيس لنشر الفوضى في الشرق الأوسط بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، إلى بوش الابن الذي شن حربين في أفغانستان والعراق تحت مسمى "الفوضى الخلاقة"، وصولاً إلى أوباما الذي استخدم أدوات لتكريس الفوضى مع السماح لإيران بالتمدد لاستنزافها، كل هذه المراحل تشير إلى استراتيجية طويلة المدى. فإيران تعد هدفاً مستقبلياً لتغيير نهجها السياسي، وكونها طرفاً مهماً في مواجهة مشروع الحزام والطريق الصيني.
كدليل على استمرارية هذه الاستراتيجية، فقد أعلن رئيس الأركان ووزير الحرب في صيف 2025 عن عمليات محاكاة لقصف مفاعلات إيران نفذت في عام 2014 بعهد أوباما. وفي عهد ترامب، تم الانسحاب من الاتفاق النووي، مما مهّد لمواجهة عسكرية، بينما في عهد بايدن، انطلقت عمليات تحجيم المشروع الإيراني، مع استمرار ترامب في المهمة حالياً.
المكاسب الأكبر والتكلفة الزهيدة
كل هذه النقاط، مع الاستعدادات عبر سنوات قاربت العشرين لهذه المواجهة، تدل على أن أميركا تسعى لمكاسب أكبر بكثير، وأن التكلفة الحالية تعد ثمناً زهيداً قياساً بمنافع المستقبل. فالمكاسب ليست اقتصادية فقط، بل وجودية على رأس هرم الاقتصاد العالمي، خاصة مع صعود الصين التي تسيطر على 18% من التجارة الدولية وبدأت بالتعامل باليوان في تقليص تدريجي لدور الدولار.
فقدان أهمية الدولار قد يدخل أميركا في مخاض عسير، مما يبرر تحركاتها نحو تشكيل تحالفات جديدة، مثل خارطة أميركا الشمالية الكبرى، استعداداً لمواجهة مع الصين وحتى أوروبا مستقبلاً. إن الثمن الحالي للحرب، رغم تأثيره على الاقتصاد، يعد زهيداً جداً مقارنة بالهدف الأكبر لتحدٍ وجودي، مما يجعل أميركا تتحمل التبعات الحالية لأهداف مستقبلية أكثر أهمية.
يبدو أن الأمريكيين قرروا اتخاذ هذه الخطوات لأنه لا بديل عنها، كما عبر الرئيس بايدن بقوله: "إن لم نتحرك ضد الصين فإنها ستأكل عشاءنا". هذا القرار يعكس إستراتيجية عميقة تربط بين التكاليف الآنية والمكاسب البعيدة المدى في صراع القوى العالمية.



