الطريق إلى القدس يمر بـ «سرقة الجيران»... تفكيك العقل النخبوي العربي في أزمة الخليج
الطريق إلى القدس يمر بـ «سرقة الجيران»... تحليل العقل النخبوي

الطريق إلى القدس يمر بـ «سرقة الجيران»... تفكيك العقل النخبوي العربي في أزمة الخليج

في مقال ثانٍ يستكمل تحليل الأزمات العربية، يسلط الكاتب الضوء على ظاهرة مقلقة في العقل النخبوي العربي، حيث يتذكر كيف كان عقله الصغير عاجزاً عن فهم تورط بعض النخب في التصفيق لغزو الكويت، ثم يتجدد ذهوله مع جيل جديد يبرر سحق السوريين وينساق خلف السردية الإيرانية ضد الخليج.

مهرجان السقوط المريع للوعي النخبوي

عند استدعاء شهر أغسطس من عام 1990 من أرشيف الذاكرة السياسية، لا نقف أمام حدث عسكري فحسب، بل أمام «مهرجان السقوط المريع» للوعي النخبوي العربي. لم يكن غزو العراق للكويت مجرد اجتياح لدولة جارة ذات سيادة، بل كان زلزالاً كشف عن قاع مظلم وعفن في العقلية السياسية العربية. هذا الحدث عرى طيفاً واسعاً من المثقفين والمحللين، بأحزابهم القومية واليسارية والإسلامية، وهم ينزلقون طواعية في مستنقع الخديعة والتبعية.

السلاح النووي الأيديولوجي: القضية الفلسطينية

أدرك الديكتاتور في بغداد ببراعة شيطانية أن تبريراته المعتمدة على «المظلومية الاقتصادية» والادعاءات التاريخية لن تبيع تذاكر كافية في الشارع العربي. كان يحتاج إلى «بلوك باستر» جماهيري يلهب الحناجر، فقرر تفعيل السلاح النووي الأيديولوجي الأقوى في وجداننا: القضية الفلسطينية ومواجهة الإمبريالية. فجأة، تم تصدير سردية شعبوية تدعي أن «الطريق إلى تحرير القدس يمر بالضرورة عبر الكويت»، وأن ابتلاع دولة جارة هو مجرد خطوة إستراتيجية عبقرية لإعادة توزيع الثروة القومية.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

آليات فك الارتباط الأخلاقي

المثير للغثيان ليس لجوء الحاكم الشمولي لهذه الذرائع، بل الانخداع المريع للنخب المبجلة بهذه الحبكة الركيكة. طبق هؤلاء المثقفون آليات «فك الارتباط الأخلاقي» بحذافيرها، مستخدمين التبرير الأخلاقي ليقنعوا أنفسهم والناس بأن تدمير دولة مسالمة هو مجرد تكتيك مرحلي تقتضيه المعركة الكبرى. في حالة من العمى الجغرافي، تعاموا عن حقيقة بديهية: الدبابات تتجه جنوباً لغزو دولة عربية، وليس غرباً نحو جبهات تحرير فلسطين.

تجريد الضحية من إنسانيتها

ولتكتمل المسرحية، مارسوا أبشع أنواع «تجريد الضحية من إنسانيتها». تم تخوين الشعب الكويتي وشيطنة دولته لتبرير نهب الممتلكات وسرقة السيارات وتدمير البنية التحتية. فجأة، أصبح سرقة تلفزيون أو ثلاجة من بيت كويتي عملاً ثورياً يندرج تحت بند الكفاح المسلح، تحت لافتات ثورية براقة تقطر زيفاً.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

مفارقات تاريخية وتكاليف كارثية

تجلت عبثية هذا المشهد حتى على مستويات القمة، كما في القمة العربية الطارئة بالقاهرة أغسطس 1990، حيث انفجر الزعيم الليبي معمر القذافي غاضباً من الاستعانة بالأميركان، قائلاً: «ولماذا تلجأون للأميركان لحمايتكم؟ لماذا لا تختصرون الطريق وتطلبون ذلك من إسرائيل؟». هذه الصرخة تلخص حالة اللامعقول التي طبعت تلك المرحلة.

الفاتورة النهائية لفقه التعفيش القومي كانت كارثية: بدلاً من الصلاة في القدس، شُرّعت أبواب المنطقة لأكبر وجود عسكري أجنبي في تاريخها المعاصر. استُنزفت موارد العرب بشكل كارثي، حيث قُدرت تكاليف حربي درع الصحراء وعاصفة الصحراء بحوالي 150 مليار دولار، ناهيك عن الأرواح التي أُزهقت والبنية التحتية التي سويت بالأرض. أحدث الغزو شرخاً في الجسد العربي لم يلتئم بسهولة، وأدى إلى تراجع الدعم للقضية الفلسطينية.

استنساخ البنية العقلية

المضحك المبكي أن معظم هؤلاء المنظرين الذين برروا الكارثة اختفوا بعد سقوط النظام، لكن الكارثة الحقيقية أن «البنية العقلية» التي أنتجتهم لم تمت، بل استنسخت نفسها بنجاح مع جيل جديد وأزمة جديدة، وهو ما سيتم وضعه تحت المجهر في المقال المقبل بعنوان: «الممانعة بالبراميل المتفجرة... كيف تقهر الإمبريالية بإبادة شعبك؟».