منطق «الأمن للجميع أو لا أمن»: تحليل لتصريحات الحرس الثوري الإيراني وتأثيرها على استقرار الشرق الأوسط
منطق «الأمن للجميع أو لا أمن»: تحليل تصريحات الحرس الثوري الإيراني

منطق «الأمن للجميع أو لا أمن»: حين تنقلب المعادلات في الشرق الأوسط

مؤخراً، أطلق الحرس الثوري الإيراني، الذي يسيطر على مقاليد الحكم في إيران، عبارةً لافتةً للانتباه، تدعو إلى أن «الأمن في المنطقة يجب أن يكون للجميع، أو لا يكون لأحد». في الظاهر، قد تبدو هذه العبارة كدعوة نبيلة للسلام ووقف العنف، خاصة في سياق العلاقات المتوترة مع إسرائيل، لكن الحقيقة تكمن في سياق أوسع يتعلق بتأثير إيران على دول الخليج العربي والتاريخ السياسي المليء بالتدخلات.

التدخلات الإيرانية: جذور الأزمات الإقليمية

المنطقة التي يشير إليها الحرس الثوري لم تصل إلى حالة عدم الاستقرار من فراغ. ففي سوريا، التي تحولت إلى ساحة حرب أهلية استمرت لأكثر من عقد من الزمن، كان التدخل الإيراني، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، عاملاً رئيسياً في تفاقم الأزمة منذ بداياتها. لم يقتصر هذا التدخل على الدعم السياسي لحليف تقليدي، بل توسع ليشمل وجوداً عسكرياً وتنظيمياً واسع النطاق، شاركت فيه تشكيلات متعددة مرتبطة مباشرة بطهران.

وفي العراق، بعد سقوط النظام السابق، ظهرت مجموعات مسلحة ذات ولاءات متعددة، أصبحت جزءاً لا يتجزأ من المشهد السياسي والعسكري، حيث ترتبط بعضها بشكل مباشر بإيران أو تتحرك ضمن نطاق نفوذها. أما في لبنان، فقد أدى اختلال التوازن بين الدولة والسلاح خارج إطارها المؤسسي إلى إضعاف مؤسسات الدولة تدريجياً، مما دفع لبنان إلى مواجهة واحدة من أعقد أزماته الاقتصادية والسياسية في تاريخه الحديث.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

وفي اليمن، يبدو الصراع أكثر تعقيداً؛ إذ أدى دعم إيران لجماعات مسلحة إلى تعميق الانقسامات الداخلية، مما دفع البلاد إلى حرب طويلة الأمد تسببت في مستويات غير مسبوقة من الفقر والمعاناة للمجتمع اليمني. لذلك، عندما يطرح الحرس الثوري فكرة أن الأمن يجب أن يكون «للجميع أو لا يكون»، يبرز سؤال جوهري: من الذي ساهم في زعزعة الأمن في المقام الأول؟ وهل يمكن لمن لعب دوراً في إنتاج الأزمات أن يقدم نفسه الآن كحارس محتمل للأمن الإقليمي؟

المفارقات في الخطاب الإيراني: تبسيط المشهد الإقليمي

تقدم هذه التصريحات الصراع الإقليمي كمعادلة ثنائية مبسطة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. لكن هذه القراءة تختزل المشهد المعقد إلى صورة لا تعكس حقيقة التوازنات الإقليمية. فدول الخليج العربي، على سبيل المثال، لم تدخل في صراع مباشر مع إيران لعقود طويلة، بل سعت في فترات عديدة إلى بناء علاقات طبيعية معها، مستندةً إلى الجغرافيا المشتركة والمصالح الاقتصادية المتداخلة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

ومع ذلك، غالباً ما تعامل هذه الدول في الخطاب السياسي الإيراني كساحات للضغط أو أوراق في صراع أكبر، أو حتى كأهداف للهجمات العسكرية، مثل الصواريخ والمسيرات المفخخة، التي زاد عددها بشكل ملحوظ مقارنة بما أرسل إلى إسرائيل. هذا يكشف عن مشكلة في التفكير الاستراتيجي الإيراني، الذي يتضمن تصوراً ضمنياً بالتفوق الإقليمي أو الاعتقاد بأن دول الخليج يمكن استخدامها كرهائن في لعبة التوازنات الدولية.

الردود الدولية والعواقب المحتملة

تتجاهل هذه الفرضية حقيقة مهمة: أي عمل عسكري أو أمني ضد دول الخليج لن يمر دون رد فعل دولي واسع، ليس فقط بسبب العلاقات الاستراتيجية مع القوى العالمية، بل أيضاً لأن استقرار الخليج يرتبط مباشرة بالاقتصاد العالمي وأمن الطاقة. لذلك، فإن تكرار الاعتداءات على هذه الدول يؤدي عملياً إلى زيادة عزلة إيران بدلاً من تعزيز موقعها، ويقوض الثقة مع جيرانها.

من جهة أخرى، يتبنى جزء كبير من المجتمع الدولي موقفاً حازماً تجاه البرنامج النووي الإيراني. المشكلة لا تقتصر على التكنولوجيا النووية بحد ذاتها، بل تتعلق بدرجة الثقة في طبيعة النظام السياسي الإيراني وآليات اتخاذ القرار فيه، خاصة مع إعلاناته المتكررة عن خطط التوسع وتصدير الثورة. لهذا السبب، تعارض العديد من الدول، من الشرق والغرب، حصول إيران على سلاح نووي، ليس بدافع العداء، بل بسبب المخاوف من تأثير ذلك على الاستقرار الإقليمي والدولي.

الخلاصة: نحو أمن قائم على الاحترام والتعاون

تصريحات الحرس الثوري الأخيرة تثير انطباعاً بأن العقيدة الأمنية الإيرانية تقترب مما يمكن تسميته سياسة «شمشون»، أي فكرة أنه إذا فقد طرف ما الأمن، فيمكن تعميم الفوضى على الجميع، بغض النظر عن مشاركتهم في الصراعات. هذه العقيدة لا يمكن أن تشكل أساساً لنظام إقليمي مستقر، والأهم من ذلك أنها قد لا تعكس تطلعات المجتمع الإيراني نفسه، الذي يتمتع بحضارة عريقة وقدرات علمية وثقافية كبيرة كان يمكن توظيفها لتحقيق الاستقرار والازدهار.

إن الأمن الحقيقي في الشرق الأوسط لا يمكن أن يقوم على معادلات التهديد، بل يجب أن يستند إلى مبادئ مختلفة تماماً، مثل احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وبناء علاقات مع الجوار تقوم على المصالح المشتركة. تحويل المنطقة إلى ساحة لتبادل الرسائل العسكرية لن يؤدي إلا إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار، مما يخسر فيه الجميع، وخاصة الشعوب التي تدفع ثمن هذه السياسات.

في النهاية، حين يسود التهور في القرارات السياسية، تكون الخسائر كبيرة على جميع الأصعدة، مما يؤكد الحاجة إلى نهج أكثر حكمة وتعاوناً لضمان مستقبل آمن للجميع.