فوضى النقاش السوري: ظاهرة غير مسبوقة تهدد مستقبل البلاد
تضرب الفوضى ساحة النقاش السوري بصورة لم يسبق أن عرفها السوريون في يوم ما، حيث تُطرح كل القضايا والمواضيع في ساحة النقاش، سواء منها العامة التي تهم أغلب السوريين، أو الخاصة التي تهم قطاعات أو مجموعات محددة. بل إن بعض هذه القضايا لا يهم السوريين إلا من بعيد، وربما من بعيد جداً، مما يزيد من تعقيد المشهد.
مستويات النقاش المتعددة وتأثيراتها السلبية
يختلف النقاش في مستوياته، فثمة نقاش موضوعي، وآخر ينطلق من الاتهام ويسير به إلى حد التخوين، وقد يصل العنف -سواء في الدعوة إليه أو الولوغ فيه- حد الجريمة. هذه الفوضى تؤدي إلى تشتيت الجهود وتبديد الوقت، بدلاً من التركيز على القضايا الملحة التي تحتاج إلى حلول عاجلة.
أربع نقاط أساسية تفسر حالة الفوضى
أساس هذه الحالة يظهر في أربع نقاط رئيسية:
- الانخراط الواسع في وسائل التواصل الاجتماعي: يركز السوريون على الانخراط في منصات مثل «فيسبوك» و«واتساب» و«إكس»، وهي منصات عامة ومجانية وسهلة الاستخدام، مما سهل المشاركة فيها بصورة واسعة.
- انفتاح باب النقاش دون شروط: بسبب الحرمان السابق من الكلام في الشؤون العامة والخاصة، هب السوريون للانخراط في أي نقاش، بما في ذلك أميون ومحدودو المعارف، مما فتح الباب أمام فوضى في المستويات والأنواع.
- البعد القانوني غير المطبق: في سوريا، ثمة قانون للجرائم الإلكترونية (رقم 20 لعام 2022)، لكن السلطات لا تطبقه إلا بصورة محدودة، مستفيدة من كشف بعض المستور في القضايا المتداولة.
- تعميم النقاش وابتعاد عن القضايا الملحة: يؤدي هذا إلى ابتعاد السوريين والمختصين عن نقاش المسائل الحساسة المتصلة بواقعهم ومستقبلهم، مثل الفقر والبطالة والفساد.
تداعيات فوضى النقاش على القضايا الوطنية
لقد استهلكت تجارب في النقاش -مثل تغيير أسماء المدارس وموضوع «مكياج» العاملات- جهد ووقت السوريين في الخمسة عشر شهراً الماضية، من دون الوصول إلى نتائج إيجابية. هذا الأمر أساء للنقاش ولقطاعات من المشاركين، بما فيهم مثقفون ومختصون، كان ينبغي أن يتوجهوا لنقاش القضايا الأكثر أهمية وإلحاحاً.
دور الحكومة السورية في مواجهة الفوضى
وسط هذه الفوضى، يبرز سؤال حول دور الحكومة السورية. الجواب البسيط هو نعم، ليس فقط لوقف السلبيات، بل من أجل تصحيح الأوضاع وإنجاز مهمات التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي المنشود. تحتاج الحكومة إلى دور فعال في مواجهة فوضى النقاش، وانفتاح على الفاعلين في الفضاء العام، ودفعهم لفتح نقاشات في المواضيع الأساسية.
كما تحتاج إلى اتخاذ إجراءات قانونية وإدارية لوقف إثارة الكراهية والتنمر، وتفعيل قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية بشكل عادل. هذا الأمر ضروري لضمان أن يسير النقاش في مسارات بناءة، تساهم في بناء مستقبل أفضل لسوريا، بعيداً عن التجارب السلبية التي عاشتها البلاد في الماضي.



