تحليل ظاهرة المتأيرنين: بين الخطاب الأيديولوجي ومعاناة الواقع
في عالم يتشابك فيه السياسي مع النفسي، تبرز ظاهرة "المتأيرنين" كحالة معقدة تستحق الدراسة والتأمل. هذه الظاهرة لا تقتصر على جغرافية محددة، بل هي حالة نفسية وسياسية تعيد إنتاج الخطاب الأيديولوجي وتفصل بين الواقع ومعاناة الناس. من خلال تجارب ميدانية في مناطق الصراع، يمكننا تفكيك هذه الظاهرة وفهم تأثيرها على المجتمعات.
المتأيرنون: كائنات تسكن الفكرة لا الأرض
المتأيرنون هم كائنات لا يمكن تعريفها بجغرافيا محددة؛ فهم لا يسكنون دولة بعينها، بل يسكنون فكرة مجردة. هم عرب بالاسم، لكنهم مؤدلجون بالاتجاه، يعيشون بين أهاليهم، لكنهم يتنفسون خارجهم. يرفعون شعارات كبيرة وعظيمة، بينما حياتهم اليومية قد تكون أحقر بكثير من تلك الشعارات. تعرفت عليهم في أماكن متعددة، ليس فقط في طهران، بل في بغداد، بيروت، صنعاء، دمشق، وحتى في بعض المقاهي المكيفة في الخليج العربي.
يجلسون بأناقة، يحملون هواتف ذكية، ويتحدثون عن "الهيمنة" و"التحرير" و"الكرامة" كما لو كانوا جزءًا من مجلس حرب. لكن في الحقيقة، هم جزء من ضجيج رقمي لا يغير شيئًا على أرض الواقع. أحدهم قال لي بثقة من يملك مفاتيح التاريخ: "إيران تصنع توازن الردع في المنطقة". نظرت إليه طويلًا، لم أجادله، لأنني رأيت "توازن الردع" بأم عيني في بيوت مهدمة وفي وجوه أطفال لا يعرفون لماذا أصبحوا أرقامًا في نشرات الأخبار.
المسافة بين القول والفعل
أدركت أن المشكلة ليست في الجملة نفسها، بل في المسافة الشاسعة بين من يقولها ومن يدفع ثمنها. المتأيرن لا يرى الضحايا، بل يرى فقط السردية الأيديولوجية. لا يسمع صراخ الناس، بل يسمع فقط خطاب المرشد. لا يعيش الواقع كما هو، بل يعيش نسخة مؤدلجة منه. والمفارقة أنه يعتقد أنه الأكثر وعيًا بين الجميع.
في قاموس المتأيرن، لا يوجد مكان للشك أو النقاش. إما أنك "مع المقاومة" أو "خائن"، إما أنك "فاهم اللعبة" أو "مغفل". الشك يحتاج إلى شجاعة، وهو يفضل اليقين الجاهز، حتى لو كان وهمًا كبيرًا. هذا اليقين هو ما يجعل المتأيرن خطيرًا، لأنه لا يتردد، ولا يعيد التفكير، ولا يراجع مواقفه.
من خبرات ميدانية: تحويل الألم إلى شعار
في إحدى المرات، كنت في تغطية ميدانية في الفلوجة، المدينة التي فقدت ملامحها أكثر من مرة. كان المشهد صامتًا إلا من أنين خافت. في المساء، فتحت هاتفي، فوجدت أحد المتأيرنين يكتب بحماس: "هذه تضحيات ضرورية في سبيل المشروع". ضحكت، ليس استهزاءً، بل دهشة، كيف يمكن لإنسان أن يحول الألم إلى شعار؟ كيف يمكن للدم أن يصبح مادة تحليل بارد؟
تساءلت: ضرورية لمن؟ للطفل الذي فقد ساقه؟ أم للرجل الذي فقد بيته؟ أم للمرأة التي فقدت كل شيء؟ أم للخطاب الأيديولوجي الذي يحتاج دائمًا إلى وقود بشري ليستمر؟ المتأيرنون لا يحبون التفاصيل، لأنها تفضح التناقضات. هم يفضلون العناوين الكبيرة، لأنها تخفي العيوب الصغيرة.
المتأيرنون: حالة نفسية مركبة
ظاهرة المتأيرنين ليست مجرد ظاهرة سياسية، بل هي حالة نفسية مركبة. إنها بحث دائم عن معنى، عن دور، عن هوية. وحين لا يجد المتأيرن هذه الأشياء في محيطه، يستوردها جاهزة، ويذوب فيها حتى يختفي. هو لا يرى أنه فقد نفسه، بل يعتقد أنه وجدها.
لكن الحقيقة أبسط وأقسى: من يتخلى عن وعيه، لا يمكن أن يدعي امتلاك قضية. ومن يستعير صوته، لن يصنع تأثيرًا حقيقيًا. المتأيرن يشبه لاعب شطرنج يرى نقلة واحدة، لكنه يتحدث وكأنه يقرأ عشر نقلات قادمة. يحرك قطعة، يخسر الرقعة، ثم يعلن أن الخسارة جزء من "الخطة الكبرى".
خاتمة: ضجيج كثير وواقع لا يتغير
في نهاية كل هذا الضجيج، يبقى السؤال معلقًا: هل المتأيرنون يؤمنون فعلًا بما يقولون، أم أنهم فقط يحتاجون إلى قصة أكبر من حياتهم ليصدقوا أنهم مهمون؟ ربما الإجابة لا تهم، لأن النتيجة واحدة: ضجيج كثير، وواقع لا يتغير، وقطار الواقع لا يتوقف في محطات الأوهام.
من خلال هذا التحليل، نهدف إلى تسليط الضوء على هذه الظاهرة وفهم تأثيرها على المجتمعات العربية. إنها دعوة للتفكير النقدي والابتعاد عن اليقينيات الجاهزة، لأن الواقع دائمًا أكثر تعقيدًا من أي خطاب أيديولوجي.



