رحيل وليد الخالدي: العمل الجاد يتجاوز الشعارات في زمن الحرب
يتزامن رحيل البروفيسور وليد الخالدي، الأستاذ البارز في جامعة هارفرد، مع حربٍ شرسةٍ تشن على دول الخليج والأردن. هذا العدوان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمفاهيم القضية الفلسطينية، التي كان الخالدي مؤثراً في ملفاتها وقضاياها المتعددة. رحيله يأتي في وقتٍ حاسمٍ، حيث تبرز الحاجة إلى رؤى عملية بعيداً عن الخطابات الشعبوية والمزايدات العاطفية.
الجدل حول تصريحات عمرو موسى والمواقف التاريخية
قبل رحيل الخالدي، كان الجدل محتدماً حول تصريحات عمرو موسى، دون أن يدرك الكثيرون أن هذه الآراء معروفة منذ عقود. في كتاب "الأمير"، يروي ويليام سيمبسون نقلاً عن الأمير بندر بن سلطان قصةً من مؤتمر مدريد للسلام، حيث كان لعمرو موسى موقف مناهض أثناء ترتيبات المؤتمر. يصف المؤلف كيف كان موسى يصعب الأمور من خلال تقديم انتقادات قومية، مما دفع الأمير بندر إلى تحذير جيمس بيكر من تكتيكاته المعهودة.
هذه القصة، الممتدة عبر الصفحات 290-291 من الكتاب، تظهر أن زمن القول واللفظ القديم في القمم والمنتديات لم يعد مجدياً. البديل الحقيقي يتمثل في مفردتين أساسيتين: الرؤية والعمل. كثير من السياسيين العرب يعتمدون على الخطابة لتغطية الفشل أو نقص العمل، وهو نهج ترفضه الدول التنموية الملكية الصاعدة التي تعتني بنفسها ولا تستجدي غيرها.
دور الخالدي في مؤتمر مدريد والرؤى العملية
في مؤتمر مدريد، عندما تردد ياسر عرفات في الاستجابة، تدخل الدكتور الكرمي باقتراح على الأمير بندر، كما يروي سيمبسون. اقترح الكرمي الاستعانة بثلاثة رجال بارزين: البروفيسور إدوارد سعيد من جامعة كولومبيا، والبروفيسور وليد الخالدي من جامعة هارفرد، والبروفيسور هشام شرابي من جامعة جورج تاون. بفضل هذا التدخل، قبل عرفات بإرسال فريق إلى المؤتمر.
برحيل الخالدي، نستعيد مثل هذه القصص العملية التي تبتعد عن الشعارات والمزايدات العاطفية. الحروب التي تخاض اليوم تتطلب حلاً يعتمد على العمل الدؤوب وترتيب الخطط، وليس على تدوين الخطابات. لقد مر زمن طويل كانت فيه الخطابات تتصارع في القمم، وهو ما دفع مفكراً مهماً مثل عبد الله بن علي القصيمي إلى كتابة كتابه الشهير "العرب ظاهرة صوتية" عام 1977.
تعليقات رضوان السيد ومقارنات تاريخية
يعلق الدكتور رضوان السيد على رحيل الخالدي في مقالة نشرت تحت عنوان "آل هيكل وآل الخالدي والعرب وإيران!". يقول السيد إن الخالدي كان يعتقد أن السبب في الصراع هو الخروج من الطوق الإمبريالي، مع اعتبار القضية الفلسطينية جزءاً من عملية التحرر. ومع صعود التيارات الإسلامية مثل حماس والجهاد، لم يعد لدى الخالدي تحفظ في إدخال العامل الأيديولوجي.
ثم يطرح السيد مقارنة بين آراء الخالدي وهيكل، مشيراً إلى أن كليهما كانا معجبين بتركيا وإيران. في عام 2010، في قمة سِرت بليبيا، اقترح عمرو موسى، كأمين عام للجامعة العربية، إدخال تركيا وإيران كعضوين مراقبين. اعترض سعود الفيصل قائلاً: "لا شك أننا نعاني من خواء استراتيجي، لكن لم يبلغ بنا الذل أن نُدخل الذئب إلى كرْمنا وهو لا يزال يعتدي علينا ويتجاهل مصالحنا!".
الخلاصة: العمل هو المحتوى الحقيقي للزمن الحالي
الخلاصة تكمن في أن الزمن الحالي محتواه العمل لا القول والصوت. الدول التنموية الصاعدة لا تقف عند التصريحات الشعبوية، بل تقوم بعمل جاد وتطرح نموذجاً يمكن أن يحتذى به في جميع دول الإقليم. التصريحات المتشفيّة لم تكن مفاجئة، بل كانت مكنونة في الأسارير، ووجد البعض في الحرب فرصة للبوح. هذه "شنشنة نعرفها من أخزم"، كما يقال، تؤكد أن المستقبل يبنى بالرؤى العملية وليس بالخطابات العاطفية.



