حكومة فيشي اللبنانية: بين واقع جديد ووصمات الماضي في خطاب حزب الله
في عالم السياسة، يميل البشر غالباً إلى رد الوجوه الجديدة إلى شخصيات مألوفة من الماضي، سواء في الحياة اليومية أو في العلاقات مع السياسيين الذين نحبهم أو نكرههم. هذا الميل النفسي يهدف إلى تبديد غموض الجديد غير المألوف، وجعله موضوعاً سهلاً للإدراك والإحاطة الذهنية، كما يوضح المؤرخ والفيلسوف ميرسيا إيلياد، الذي أشار إلى أن الظاهرات الجديدة التي لا تُرد إلى سوابق معروفة تبدو عصية على الفهم، بل قد تظهر عديمة المعنى.
اتهامات حزب الله: "حكومة فيشي" و"حكومة العار"
مناسبة هذا التحليل تكمن في إطلاق تسميات على الحكومة اللبنانية الحالية، حيث يصفها ناطقون بلسان حزب الله بـ"حكومة فيشي" أو "حكومة العار"، في محاولة لردها إلى سابقات معروفة في الخيانة الوطنية أو ارتكاب أفعال مشينة. هذه النعوت تثير تساؤلات عميقة حول تجربتي الناعت والمنعوت، ونظرة كل منهما إلى العالم والمعرفة، وبالتالي المسؤولية السياسية.
الحكومة اللبنانية الحالية تمثل حالة جديدة تماماً في التجربة السياسية اللبنانية، حيث يجمع وزراؤها بين النزاهة والجدية والخبرة، مع انكباب ذاتي على العمل الوزاري في ظل أوضاع بائسة وأدوات مادية محدودة وظروف سياسية خانقة. لأول مرة، لا يخجل الكاتب أو الصحافي من قول كلمة طيبة في حكومته، مما يعكس تحولاً ملحوظاً في المشهد السياسي.
واقع جديد وتحديات غير مسبوقة
الأهم من ذلك، أن كثيرين من هؤلاء الوزراء، بمن فيهم رئيس الحكومة نفسه، يأتون من تجارب سياسية وفكرية ارتبطت بتأييد حقوق الشعب الفلسطيني والتصدي للخطاب الإسرائيلي. ومع ذلك، ومن دون التخلي بالضرورة عن مواقفهم الأصلية، يواجهون تجربة تضعهم على تماس مباشر مع واقع وتوازن قوى يدفعان إلى القبول بمبادئ مثل التفاوض المباشر مع إسرائيل، على الرغم من أن قطاعات عريضة من اللبنانيين تعتبر الحكومة متساهلة ومقصرة في هذا الطريق.
هذا الوضع غير مسبوق في الحياة السياسية اللبنانية، حيث يعتمد على الواقع وتوازن القوى كمصدرين للموقف، في وقت يتآكل فيه الواقع ويختل توازن القوى تماماً، مع تعايش احتمالات الاحتلال مع نضوب القدرات وتحدي الانسجام مع الأفكار المسبقة. بسبب هذا التعقيد، يبدو لزاماً على خصوم الحكومة تحويله إلى وضع مسبوق ومعروف، تتحكم به أدوات فكرية يحددها الماضي وثنائياته الفقيرة، مثل المقاومة والاستسلام، والشرف والمهانة.
اليقين النفسي مقابل التعقيد الواقعي
في هذا السياق، يسود الحسم لدى النقاد، حتى لو لم يقترن بتجربة معينة أو مسؤولية عن مصائر ملايين البشر، مما يجعله حسمًا مسبقاً لا تعوزه التجربة أصلاً. أما التأمل والحيرة والعمل على ملاءمة الأفكار للوقائع، فهي أمور لا تملك آلة النقاد الفكرية أي قدرة على استيعابها إلا بوصفها خيانة. يبدو اليقين هنا كأمان نفسي يربط صاحبه بماضٍ مألوف ساده الفكر الجامد المستند إلى نظام مغلق من الإجابات.
مواجهة الغموض أو التعقيد توحي بعدم الاستقرار، والأسئلة التي لا تملك جواباً مخبأً في خزائن الماضي تنطوي على تهديد وجودي، لأن الإجابات ليست ما ينتج عن أفكار ومعاناة، بل هي جزء لا يتجزأ من كيان صاحبها وهويتها. من يقول إن لديه الحل يبدو أقوى وأرفع مكانة ممن يقول إنه يجهد كي يبلور حلاً، وهذا ينطبق على الأفراد والأنظمة العقائدية على حد سواء.
التواء الموقف وازدواجية الخطاب
لكن الأمر هنا أشد التواء من أن يُختصر في موقف فكري خطي ومتماسك. فالذين يصفون الحكومة بأنها "حكومة فيشي" يُبقون على وزيرين يمثلانهم في الحكومة نفسها، وكلما قل رصاصهم وتعاظم اصطدامهم بالواقع الفعلي، زادت شتائمهم. كما أنهم، وبحسب سوابق لا تحصى، يندفعون بقوة الحاجة الإيرانية، لا بالتفاعل مع الواقع اللبناني، ومن مواقع كهذه ينقضون على حكومة يمكن أن يقال الكثير في نقدها ما خلا هذا التشهير الذي يسميه بعض أصحابه نقداً.
في النهاية، يسلط هذا الجدل الضوء على التحديات التي تواجهها الحكومة اللبنانية في ظل ظروف سياسية واقتصادية صعبة، والصراع بين تصويرها كخيانة وطنية مقابل واقعها الجديد المعقد. هذا التحليل يوضح كيف يمكن أن تتحول السياسة إلى ساحة للصراع بين الماضي والحاضر، بين اليقين النفسي والتعقيد الواقعي، في مشهد يستدعي تأملاً أعمق للمستقبل.



