قرن من الصراع: الاغتيال كأداة حرب متعددة الأوجه
بينما يقترب الصراع العربي الإسرائيلي من إتمام مائة عام من المواجهات المستمرة، شهدت هذه الفترة الطويلة حروباً عديدة دارت رحاها بين جيوش نظامية لدول ذات سيادة، وميليشيات مسلحة، وقوى متنوعة. في خضم هذا الصراع الدائم والمتعدد الجبهات، اعتمدت إسرائيل بشكل منهجي على سلاح الاغتيال كاستراتيجية مركزية في إدارتها للصراع.
منهجية الاغتيال: من القادة إلى الأفراد العاديين
لم يقتصر استخدام هذا السلاح على الزعماء والقادة السياسيين والعسكريين البارزين فحسب، بل امتد ليشمل شخصيات أقل مرتبة، ووصل في حالات عديدة إلى حد تصفية أفراد لمجرد أن المسدس وصل إليهم. تنوعت أساليب الاغتيال بين استخدام المسدسات والتفجيرات المباشرة، والتسميم الخفي، وحتى الاستعانة بالطائرات الحربية قبل عصر الطائرات المسيرة، لدرجة أن العدد الإجمالي للضحايا أصبح غير معروف بسبب كثرتهم وتنوع خلفياتهم.
عندما يطال الاغتيال الصفوف القيادية الأولى، فإن آثاره السلبية على الجبهات القتالية لا يمكن تجاهلها. غالباً ما يحمل هذا الفعل تأثيراً مزدوجاً: من ناحية يهز ثقة أنصار القادة المغتالين في قدرة هؤلاء القادة على حماية أنفسهم، وهم المسؤولون أصلاً عن حماية من يتبعونهم، ومن ناحية أخرى يستخدمه الجانب الإسرائيلي كأداة لرفع معنويات جيشه وشعبه، خاصة في أوقات يشعرون فيها بالعجز عن إثبات تفوقهم الهجومي والدفاعي.
التوظيف الإعلامي والانتخابي للاغتيالات
أوضح دليل على هذه الاستراتيجية هو المعالجة الإعلامية الإسرائيلية المكثفة والمثيرة لكل عملية اغتيال، والتي غالباً ما تقدم كما لو كانت خطوة حاسمة نحو النصر النهائي. يتم توظيف الاغتيال، خاصة عندما يستهدف أسماء بارزة، في المشهد السياسي الإسرائيلي بشكل مبالغ فيه خلال المواسم الانتخابية، حيث يعتبر الإبهار بالقوة «السوبرمانية» عاملاً جاذباً رئيسياً للناخبين.
انظروا إلى كيفية استغلال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لعمليات الاغتيال بالصوت والصورة في معركته السياسية الأخيرة للبقاء في السلطة. هذا الاستعراض ليس مجرد عرض قوة عسكرية، بل هو جزء من حرب نفسية وسياسية معقدة.
تأثيرات الاغتيال على الجبهات المعادية: دراسات حالة
اغتيال القادة ليس عملاً عديم الجدوى في سياق الصراع المحتدم، خاصة في ظل الخلل المستمر في موازين القوى الذي يميل لصالح إسرائيل. تأملوا في الحالة الفلسطينية كيف كانت في عهد ياسر عرفات، وكيف تحولت بعد رحيله، وبالمقياس نفسه حالة «حزب الله» في لبنان زمن الأمين العام حسن نصرالله، وكيف ستتغير بعد أي تصفية محتملة له.
كذلك، تخيلوا السيناريوهات المحتملة في إيران بعد أي اغتيال محتمل للمرشد الأعلى علي خامنئي أو شخصيات بارزة مثل علي لاريجاني. رغم أن أتباع القادة المغتالين قد يحاولون تبسيط الأمر بعبارات مثل «التضحية والفداء»، إلا أن الفراغ القيادي الذي يتركونه عميق، وحتى مع تعيين خلفاء، تبقى خبراتهم القيادية المتراكمة على مدى سنوات غير قابلة للاستبدال بسهولة.
السؤال الجوهري: هل يغير الاغتيال النتائج النهائية؟
ما يستحق التأمل من زاوية أعمق هو: هل يستطيع سلاح الاغتيال، رغم تأثيره الكبير على كفاءة الأداء القيادي ونتائجه المعنوية، أن يغير موازين القوى بشكل حاسم أو يحقق نصراً نهائياً أو هزيمة قاطعة، بغض النظر عن قوة وحضور القائد الذي يتم اغتياله؟
وقائع الصراع الممتد على مدى عقود أثبتت، وبشكل قاطع، أن الاغتيال، مهما عظم تأثيره المادي والمعنوي، لا يصل إلى حد التأثير في النتائج النهائية التي يطمح منفذوه لتحقيقها. قد ينجحون في الفوز بانتخابات بسببه، وقد يملأون صدور أتباعهم بمشاعر النشوة والفرح والثقة المؤقتة، وقد يثيرون شكوكاً داخل صفوف الخصم حول الجدارة والتقصير في الحماية.
لكن كل هذه التأثيرات تزول بمجرد حدوث تطور سياسي أو عسكري جديد يعيد إثارة تساؤلات الخصم حول جدوى ما تم تنفيذه. في إسرائيل نفسها، يتمتع السكان بفائض من الرعاية والحماية جعل حتى أقل إصابة، حتى لو كانت نفسية كالذعر، سبباً لهز الثقة وتبديد الشعور بالأمان المزعوم.
الاستمرارية المستقبلية لسلاح الاغتيال
تعودت إسرائيل على اعتبار الاغتيالات ذات الطابع الاستعراضي مصدراً من مصادر القوة والنفوذ، فهي ضرورة انتخابية قديمة ومتجددة، ووسيلة لمعالجة التردي النفسي الناتج عن الحروب وخسائرها، وأداة لإبهار العالم بالقدرة على تحقيق ما يبدو خارقاً. لذلك، سيظل هذا السلاح معمولاً به وبأولوية قصوى توازي في أهميتها عمل الطيران والتكنولوجيا المتقدمة.
لن تتخلى إسرائيل عن هذه الاستراتيجية، وما يساعدها على النجاح فيها هو ظاهرة الاستخفاف بالخسائر التي يبديها المستهدفون في بعض الأحيان، حتى حد التباهي بالتضحيات. يكفي بعد كل اغتيال لزعيم بارز أن تستخدم الواقعة كدليل على أن القادة يتساوون مع جنودهم ومواطنيهم في ساحة المواجهة، مما أدى لظهور مصطلحات مثل «القائد مشروع شهيد» أكثر من كونه مجرد ضرورة قيادية.
في النهاية، يبقى الاغتيال سلاحاً في ترسانة الصراع الطويل، لكن تاريخ المنطقة يشير إلى أن تغيير المصائر النهائية يحتاج لأكثر من رصاصات أو صواريخ تستهدف أفراداً، مهما علت مكانتهم.



