مدرستان فكريتان في مواجهة القضية الفلسطينية: الخالدي وهيكل وإيران
عندما كان الجدل محتدماً بين عمرو موسى وعبد الرحمن الراشد حول فلسطين وإيران، رحل المؤرخ الفلسطيني البارز وليد الخالدي في الولايات المتحدة عن عمر يناهز مائة وأربعة أعوام. ينتمي الدكتور الخالدي إلى الأسرة المقدسية العريقة، وقد كرس حياته الأكاديمية للكتابة في القضية الفلسطينية، حيث درّس في أعرق الجامعات العالمية وساهم في تأسيس مؤسسات بحثية مرموقة.
وليد الخالدي: الناشط المستميت لفلسطين
رغم مكانته الأكاديمية المتميزة، ظل الخالدي ناشطاً مستميتاً من أجل فلسطين ومعارضاً للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط منذ سبعينيات القرن الماضي. لكن المفارقة تكمن في تحوله، على مدى عقود، إلى متحزب ضد العرب، معتقداً أن إيران هي القوة الوحيدة العاملة من أجل القضية، وأنه لولا تدخلها لسيطرت إسرائيل بدعم أمريكي على المنطقة وأجهزت على القضية الفلسطينية.
في حرب حماس عام 2023، تجدد أمل الخالدي -رغم تقدم سنه وضعف وعيه في الفترة الأخيرة- في قدرة إيران وأذرعها على تحويل مجرى الأحداث لصالح القضية الفلسطينية، وإخراج أمريكا من المنطقة وكبح جماح إسرائيل.
محمد حسنين هيكل: الهيام بإيران والثورة الخمينية
من جهة أخرى، كان الأستاذ محمد حسنين هيكل -كما يسميه مريدوه في مصر- هائماً بإيران أيضاً، حيث زارها إبان الثورة وكتب عنها كتابه الشهير "مدافع آيات الله". يشترك هيكل مع الخالدي في الاعتقاد بأن العرب تخلوا عن القضية الفلسطينية، وأن الإيرانيين تولوها بدلاً منهم.
لكن هيكل يختلف عن الخالدي في تحليله للأسباب، حيث يعتقد أن الزعامة المصرية في عهد جمال عبد الناصر كانت المؤهلة للوصول إلى حل عادل، وأن من جاءوا بعد عبد الناصر أخطأوا في إدارة حرب أكتوبر وتقدير نتائجها، وأن اتفاقية كامب ديفيد أخرجت مصر من الصراع عبر "مؤامرة"، فيما نهضت الثورة الخمينية لمتابعة هذا الصراع.
الحرص الإيراني على القضية: تفسيران مختلفان
يتساءل الكثيرون عن أسباب هذا الحرص الإيراني على القضية الفلسطينية بحسب المدرستين:
- تفسير الخالدي: يعتقد أن السبب هو الصراع مع الولايات المتحدة للخروج من الطوق الإمبريالي، حيث تعتبر إسرائيل وكيلة الإمبريالية في المنطقة. ومع صعود التيارات الإسلامية مثل حماس والجهاد الإسلامي، لم يعد لدى الخالدي تحفظ في إدخال العامل الأيديولوجي إلى المعادلة.
- تفسير هيكل: يرى أن العامل الأيديولوجي حاضر منذ البداية، حيث يتحدث الدستور الإيراني عن تصدير الثورة بدوافع دينية في المقام الأول، وليس فقط لمصارعة الإمبريالية.
الاستخفاف بالعرب والافتقار للثقة
يتميز الرجلان -اللذان صارت آراؤهما تمثل مدرستين فكريتين في العالم العربي- باستخفاف واضح بالعرب واعتقاد بالتآمر ضدهم. وهما معجبان بتركيا وإيران، خاصة من جانب وليد الخالدي.
عندما قيل للخالدي إن تركيا عضو في حلف الناتو ولديها علاقات مع إسرائيل، اعتبر أن العرب هم المذنبون لعدم إحسانهم التعامل لا مع تركيا الكمالية ولا مع تركيا الإسلامية. وفي قمة سرت بليبيا عام 2010، عندما اقترح عمرو موسى -الأمين العام للجامعة العربية آنذاك- إدخال تركيا وإيران كعضوين مراقبين في الجامعة العربية، اعترض عليه سعود الفيصل قائلاً: "لا شك أننا نعاني من خواء استراتيجي، لكن لم يبلغ بنا الذل أن ندخل الذئب إلى كرمنا وهو لا يزال يعتدي علينا ويتجاهل مصالحنا!".
العلاقة مع إيران في ظل ولاية الفقيه
بينما لا يستطيع أحد الاعتزاز بالعلاقة مع أمريكا باستثناء إسرائيل، كما يقال "يسوانا ما يسوى العالم" من أجل كف الأذى، فإنه لا يستطيع عاقل عربي الاعتزاز بعلاقة مع إيران في ظل نظام ولاية الفقيه. فقد دمرت إيران أربع دول عربية، وافتخرت بالاستيلاء على أربع عواصم عربية، وها هي في الحرب الأخيرة تشن هجمات على دول الخليج الست بدوافع الإضرار والاستكبار والكراهية التي لا مبرر لها.
يسيطر على مدرستي التذاكي والاستتباع الآن خطاب نتنياهو بأن حروبه ستغير وجه الشرق الأوسط، ويخشى أصحاب هذه المدارس أن تصبح إسرائيل وكيل أمريكا في المنطقة، وأن تنتهي القضية الفلسطينية. وبالطبع لن يحصل هذا ولن تنتهي القضية الفلسطينية، لكن السؤال يبقى: لماذا تضرب إيران -التي يريدونها أن تحرر فلسطين- الدول العربية دائماً؟
مدارس الشدائد والنكسات
في أزمنة الشدائد تنشأ مدارس للتذاكي والتعالم لتعليل النكسات، وتعكس هذه المدارس افتقاراً للثقة بالنفس. ومدرستا الخالدي وهيكل تنتميان إلى هذا النوع، ولا نحتاج إلى أي منهما أو تعاليمهما لنعرف ماذا علينا أن نفعل.
كنا عرباً وسنبقى عرباً، لن نخجل بعروبتنا ولا بدولنا، كما قال الشاعر: "نحن كنا سكانها من قريشٍ وبنا سُميت قريشٌ قريشاً". تبقى الهوية العربية والانتماء للأمة أساساً راسخاً في مواجهة كل التحديات والمحاولات لطمس الحقوق والمصالح العربية المشروعة.



