حزب الله وسردية فيشي: محاولات التنصل من المسؤولية في لبنان
حزب الله وسردية فيشي: التنصل من المسؤولية في لبنان

حزب الله وسردية فيشي: محاولات التنصل من المسؤولية في لبنان

في ظل التصعيد العسكري الحالي في لبنان، يدفع حزب الله جموع محازبيه ومناصريه من النخب السياسية والإعلامية والثقافية إلى صياغة سرديات تبريرية للمواجهة الحالية. هذه السرديات تناقض الواقعين السياسي والعسكري في لبنان ما قبل موقعة الصواريخ الستة، وتهدف بشكل أساسي إلى تحقيق أمرين رئيسيين:

الأهداف الخفية وراء السردية التبريرية

الأمر الأول هو التنصل من المسؤولية أمام الجماعة الشيعية، التي تُعد المتضرر الأكبر من ما يُوصف بـ"حرب الانتحار" التي دفعتها إيران إليها. كما تهدف هذه السرديات إلى الرد على موجة الانتقادات الضخمة التي يتعرض لها الحزب من مختلف الجماعات اللبنانية والقوى الحزبية والشعبية، نتيجة مغامرته العسكرية المدمّرة.

أما الأمر الثاني، فهو تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية أفعال الحزب، مع تركيز خاص على الحكومة الحالية ورئيسها نواف سلام. في هذا الإطار، تبرز مقارنة حكومة سلام بحكومة الجنرال فيشي الفرنسية زمن الاحتلال النازي، وهي مقارنة سياسية حادة وظالمة تُستخدم كأداة تعبوية ضد سلام وتشويه لدور حكومته في إدارة الأزمة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

مقارنة فيشي: أداة دعائية بلا أساس تاريخي

في زمن الشعبوية والتخوين والدعاية المناقضة للحقيقة، تحوّلت حكومة فيشي إلى وجبة يومية تُقدّم في الخطاب السياسي. وقد يكون "الجنرال فيشي" موجوداً في الحصص الغذائية التي يأخذها الحزب من الحكومة ويوزعها باسمه على النازحين، بينما يتهم الحكومة نفسها بالتقصير في الوقت ذاته.

وليس مستبعداً أن يخرج "الخائن فيشي" من ملفات الفساد التي يحتفظ بها نواب الحزب، أو أن يُقدَّم في مؤتمراتهم الصحافية التي تتخللها التهديدات والوعيد، تماماً كما حصل لفيشي بعد تحرير فرنسا. بل إنه لم يعد مستبعداً أن توزّع قيادة الحزب يوم العيد "ألعاباً بلاستيكية" على شكل الجنرال فيشي على أطفال التهجير الذي تسببت فيه، دون أن تريد تحمّل مسؤوليته.

المفارقات التاريخية والسياسية

المفارقة الكبرى أن للحزب حصة في هذه الحكومة التي يهاجمها، وهو الذي أعطاها الثقة مرتين، ولم يلوّح حتى الآن بالانسحاب منها أو تعليق مشاركته. بل إنه ينتظر يوم الحساب، ويذكّر اللبنانيين بما فعلته المقاومة الوطنية الفرنسية بالعملاء بعد انتصارها.

المفارقة الأخرى تكمن في أن الفرنسيين كانوا مقاومة وطنية حقيقية، في حين أن الحزب عندما استولى على فكرة المقاومة في لبنان، احتكرها طائفياً وعقائدياً. والمقاومة، من موقعها الشعبي كفكرة، هي حق للشعوب في الدفاع عن نفسها، لا يمكن أن تتحول إلى ضرر كبير عليهم، ولا أن تتسبب في خسارتهم الدائمة لأماكنهم، ناهيك عن الخسارة الكبيرة في الأرواح والأرزاق.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

لذلك، حمايةً لفكرة المقاومة الحقيقية، يجب تسمية ما يجري بأسمائه الحقيقية: "حزب الله" الذي فجّر الوضع وتسبب في نكبة للجنوبيين تشبه إلى حد كبير نكبة الفلسطينيين.

ما يتناساه الحزب في مقاربته الفرنسية

ما يتناساه الحزب في مقاربته الفرنسية المشوّهة أن المقاومين الفرنسيين بعد التحرير تركوا السلاح، واندمجوا في إعادة بناء دولتهم، وشاركوا في الحياة السياسية كأحزاب ديمقراطية لا كمقاومين مسلحين. فالمقاومة الحقيقية غاية للتحرير، وليست وسيلة للحكم والتحكم، ولا يمكن أن تكون أداة للقمع في الداخل أو الخارج؛ فهي شعبية بطبيعتها وليست جماعة مسلحة ضمن محور إقليمي.

وما يلوم الحزب عليه الحكومة ورئيسها، ومعهما أغلب اللبنانيين، بما يصفه افتراءً بأنه "كشف ظهر المقاومة"، هو في الحقيقة ما تسبب فيه الحزب نفسه. فلا أحد يطعن في نوايا وأهداف من يدافعون عن قراهم وبلداتهم على الحافة الحدودية، بل إن الشك يكمن في ما زجّتهم فيه قيادتهم إسناداً لطهران.

الاستعارة التاريخية كعجز سياسي

عملياً، إن مقارنة أو تشبيه حكومة نواف سلام بحكومة فيشي محاولة وقحة لتخوينه ومحاصرة حكومته. وهذا لا يعبّر عن قراءة صحيحة للتاريخ، بل عن عجز في السياسة. فعندما يفقد الحزب القدرة على خوض النقاش السياسي وتسويق الحجج المنطقية، يلجأ إلى أقسى الاستعارات التاريخية لتوزيع تهم الخيانة على خصومه.

فعلياً، فإن استدعاء نموذج فيشي في السجال السياسي اللبناني يكشف أزمة في الخطاب لدى من يستخدمه؛ فالتاريخ ليس أداة للاتهامات الجاهزة. ومن لا يملك القدرة على الإقناع وتبرير فعلته وتحمل المسؤولية أمام جماعته، لا يمكنه استخدام أحداث تاريخية غير مطابقة للواقع الحالي لتصفية حسابات داخلية.

وعليه، فإن سردية "حزب الله" التبريرية تكشف عجزه السياسي وعنجهيته الأيديولوجية، أما توتره فيعكس حجم المخاطر التي تتعرض لها بيئته، والتهديد الوجودي الذي تسبب فيه للكيان اللبناني دولةً وشعباً. هذه السرديات ليست سوى محاولة يائسة للتنصل من المسؤولية عن العواقب المدمرة للمغامرة العسكرية الحالية.