إيران والحلم الفلسطيني: كيف حوّلت طهران القضية إلى أداة توسعية؟
كما جرت العادة، أصرّت السلطات الإيرانية هذا العام على إحياء «يوم القدس» في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان، في محاولة لتأكيد أن المتاجرة بالقدس وفلسطين والفلسطينيين تشكل جزءاً لا يتجزأ من المشروع التوسعي الإيراني الذي انطلق مع إعلان قيام «الجمهورية الإسلامية» في فبراير 1979.
الفشل الإيراني في دعم الفلسطينيين
عندما نمعن النظر في الوضع الحالي للمدينة المقدسة، نكتشف أن «يوم القدس» يقدم فكرة واقعية عن الفشل الإيراني في تقديم أي شيء ملموس للفلسطينيين، باستثناء الشعارات الرنانة والخطابات الحماسية. ففي الوقت الذي رفعت فيه إيران هذه الشعارات، كانت إسرائيل تعمل بشكل جدي وممنهج لوضع يدها على القدس وتحويلها إلى عاصمة موحدة لها، مما يسلط الضوء على التناقض الصارخ بين الخطاب الإيراني والواقع على الأرض.
التلاقي التاريخي مع اليمين الإسرائيلي
لا يزال هناك رفض في طهران للاعتراف بحقيقة مفادها أنه، بغض النظر عن نتيجة الحملة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية التي بدأت باغتيال المرشد علي خامنئي، فإن «الجمهورية الإسلامية» لم تعد قادرة على البقاء كلاعب إقليمي مؤثر. وقد كشفت حرب غزة، التي اندلعت في أكتوبر 2023، عن نهاية الحلف غير المعلن وغير المقدس بين إيران وإسرائيل، والذي كان يهدف إلى تدمير المشروع الوطني الفلسطيني القائم على خيار الدولتين.
على الرغم من انتهاء هذا الحلف، إلا أن التلاقي عند هدف تدمير القضية الفلسطينية، وتحديداً الحلم بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، لا يزال قائماً. إنه تلاقٍ تاريخي بين النظام الإيراني من جهة واليمين الإسرائيلي من جهة أخرى، حيث يتشارك الطرفان في رغبة عميقة لإفشال أي تسوية سياسية حقيقية.
دور إيران في تعطيل العملية السلمية
تعتبر حرب غزة نقطة تحول إقليمية كبرى، خاصة فيما يتعلق بدور إيران خارج حدودها. ويعود تراجع هذا الدور إلى أن المشروع الإيراني القائم على المتاجرة بالقضية الفلسطينية هو مشروع باطل، إذ أدت هذه المتاجرة عملياً إلى إلحاق ضرر جسيم بالقضية الفلسطينية وبالشعب الفلسطيني نفسه.
يكفي أن نشير إلى الدور الذي لعبته إيران في دفع حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» نحو تنفيذ عمليات انتحارية استهدفت مدنيين إسرائيليين داخل إسرائيل والقدس، وذلك في مرحلة ما بعد توقيع اتفاق أوسلو في خريف 1993. كان الهدف من هذه العمليات خلق تحول داخل المجتمع الإسرائيلي نحو أقصى اليمين، مما يعرقل أي تقارب فلسطيني-إسرائيلي ويجعل الدولة الفلسطينية حلماً بعيد المنال.
الخشية المشتركة من التسوية السياسية
كانت هناك خشية مشتركة بين اليمين الإسرائيلي والنظام الإيراني من أن يؤدي اتفاق أوسلو إلى تسوية سياسية بين إسرائيل والفلسطينيين. من هذا المنطلق، عمل الجانبان معاً، وإن بشكل غير مباشر، من أجل جعل التطرف يسود المنطقة ومنع أي تقارب قد يحول الحلم الفلسطيني إلى واقع ملموس.
مثلما استثمر النظام السوري بقيادة حافظ الأسد في الاحتلال الإسرائيلي للجولان للحفاظ على نظامه الأقلوي، استثمرت «الجمهورية الإسلامية» في كل ما من شأنه تعطيل أي عملية سلمية في المنطقة، بهدف استمرار حالة اللاحرب واللاسلم التي تخدم مصالحها التوسعية.
تغير المعطيات بعد حرب غزة
لقد قضت حرب غزة على كل المعطيات التي كانت تجمع بين إيران والنظام السوري من جهة واليمين الإسرائيلي من جهة أخرى. ففي هذه المرحلة، وجدت إيران نفسها مضطرة، للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب العراقية-الإيرانية في 1988، إلى خوض حرب على أرضها، وهي حرب لم تكن تتخيل يوماً أنها ستتعرض لها.
كانت إيران تعتقد أنها ستكون المستفيد الأول من حرب غزة التي بدأت بهجوم «طوفان الأقصى»، حيث ظنت طهران أنها قادرة على امتلاك مفاتيح توسيع الحرب أو لجمها. لكنها لم تتصور رد الفعل الإسرائيلي العنيف، ولا عمق العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، كما أظهرت الحرب هشاشة تركيبة نظام الأسد في سوريا وضعف «حزب الله» عسكرياً.
خسائر إيران وتداعيات المستقبل
إضافة إلى ذلك، خسرت إيران «حزب الله» بعد أن استطاعت إسرائيل القضاء على قيادته، بما في ذلك الأمين العام حسن نصرالله. وأصبح عليها الآن تولي أمر الحزب مباشرة وحمله على إعادة فتح جبهة جنوب لبنان، مما سيكون له نتائج تختلف كلياً عن كل الحروب السابقة.
في النهاية، كشفت حرب غزة حقيقة النظام الإيراني، بينما كرست الحملة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية تراجع دور إيران خارج حدودها، بما في ذلك في فلسطين. لقد جعلت إيران الفلسطينيين يفوتون كل الفرص التي سنحت لهم منذ مطلع تسعينات القرن الماضي، ووضعتهم في مواجهة المشروع التوسعي الإسرائيلي بعد أن كانوا ضحية للمشروع التوسعي الإيراني طوال سنوات، خاصة في مرحلة ما بعد أوسلو.



