الحرب الحالية ومصير الأصولية: تحليل نقدي لأطروحة ما بعد الإسلاموية
الحرب الحالية ومصير الأصولية: تحليل نقدي

الحرب الحالية ومصير الأصولية: تحليل نقدي لأطروحة ما بعد الإسلاموية

من الإشكاليات الرئيسية التي تصاحب الحروب أن المفاهيم الأساسية غالباً ما تتشكل بعد انتهاء الصراع، وهذا ما يظهر في التصنيفات المتناقضة للصراع الدائر. فالبعض يصنفه كصراع ديني بين الشيعة واليهود، مستندين إلى الخطاب الديني لدى الطرفين الإيراني والإسرائيلي، بينما يذهب باحثون آخرون إلى أن الانتصار على إيران قد يعني "نهاية الإسلاموية"، وهي فكرة جريئة لكنها تحمل قدراً كبيراً من التفاؤل غير المبرر.

أطروحة ما بعد الإسلاموية وآصف بيات

يعد المفكر آصف بيات أحد أبرز أقطاب أطروحة "ما بعد الإسلاموية"، حيث ألّف العديد من الكتب والأبحاث في هذا المجال. في كتابه الأول بعنوان "ما بعد الإسلاموية - الأوجه المتغيرة للإسلام السياسي"، يسلط الضوء على التحولات والتغيرات التي تشهدها الحركات الإسلامية. ويشير بيات إلى أن تشخيص حالة ما بعد الإسلاموية بدأ يتشكل لديه منذ منتصف التسعينات، حيث أثارت هذه الفكرة نقاشات حية بين الباحثين والنشطاء، بدأت في أوروبا ثم انتشرت إلى بلدان ذات أغلبية مسلمة مثل تركيا وإندونيسيا وماليزيا والمغرب وإيران.

أما في كتابه الثاني "صناعة الإسلام الديمقراطي - الحركات الاجتماعية والانعطافة ما بعد الإسلاموية"، فيؤكد بيات على إمكانية تحول الحركات الإسلاموية لتتجاوب مع ضغوط العصر، من خلال الانخراط في العمل المدني المؤسسي والحداثة. ويشرح معنى ما بعد الأسلمة بأنها عملية مركبة للانقطاع عن الأيديولوجيات الإسلاموية، مع الالتزام بمشروع ديني أكثر استيعاباً يستمر فيه الإسلام كدين وكجزء من المجال العام.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

تطبيق ما بعد الإسلاموية في إيران

في حديثه عن إيران، يرى بيات أن الإشارات الأولى لما بعد الإسلاموية ظهرت في الساحات الحضرية العامة، بدءاً من طهران عام 1992. حيث عكست المدينة أزمة حكومية عامة، مع تزايد التلوث والاكتظاظ السكاني وسوء الإدارة. وقد أدى التنظيم المكاني الإسلاموي، المتسم بالإقصائية والذكورية، إلى جعل المدينة غريبة على الشباب والنساء والطبقة الوسطى الحديثة. ومع تعيين غلام حسين كرباشي لتنظيم العاصمة، تحولت طهران خلال ثماني سنوات إلى مدينة تضاهي مدريد أو لوس أنجليس، بعيداً عن صورة المدينة الإسلامية التقليدية.

نقد أطروحة بيات وأسباب فشلها

برأي الكاتب، لم تتحقق أطروحة بيات لسببين رئيسيين:

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي
  • الانفصال عن الواقع: حيث يعيش بيات في حالة تفاؤل غير واقعي، كما يتجلى في تعلقه بالثورة الخضراء التي لم تتحقق. كما أن التنظيمات المشتقة من "القاعدة" و"الإخوان" خلال العقدين الماضيين أثبتت أن الأصولية الإسلامية تتمدد ولا تنكمش.
  • وصول التيار الأصولي إلى الحكم: لم يقتصر التيار الأصولي على التنظير الفقهي والعمل الميداني، بل وصل إلى سدة الحكم في عدة دول. مما يجعل الحلم بنهاية الإسلاموية بشكل كامل أمراً خطيراً ومبسطاً، لأنه يثبط همة الحكومات التي تضع برامج فعالة لمكافحة هذه الجماعات.

الخلاصة وتأثير الحرب الحالية

الحرب الحالية قد تثبط من عزم الأصوليين وتمددهم، خاصة في ظل ابتهاجهم بتشويه صورة الدول التنموية الصاعدة التي تقدم نماذج اقتصادية ناجحة. فهم يسعون لتحويل الدول المزدهرة إلى خرائب، كما فعلوا في الدول التي حكموها. لكن السؤال الأهم يبقى: هل يمكن اجتثاث الأصولية من جذورها؟ هذا هو التحدي الكبير الذي يواجه العالم اليوم، حيث تظهر الأصولية مرونة وقدرة على التكيف، مما يجعل الحديث عن مرحلة ما بعد الإسلاموية سابقاً لأوانه.