أزمة عدالة عميقة في مصر تهدد كيان الدولة والهوية الوطنية
في ظل تصاعد الاحتقان الديني والكراهية، تواجه مصر اليوم أزمة عدالة عميقة لا تقتصر على مجرد تقصير عابر، بل أصبحت نمطًا ممنهجًا يهدد التماسك المجتمعي ويضع الدولة أمام اختبار مصيري. يقول الكاتب: "الدول لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرتها على تحقيق العدالة"، وهذا ما يبدو غائبًا في المشهد الحالي.
انزلاق المؤسسات الأمنية والقضائية وغياب الحياد
لقد تخلت مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الأجهزة الأمنية والقضائية، عن حيادها الوطني، وانزلقت إلى مساحات خطيرة أفقدتها معناها كحامية للمواطنين. في كثير من الحالات، تحولت هذه الأجهزة من أدوات حماية إلى أسباب مباشرة لترسيخ الظلم، إما بالفعل أو بالصمت. ويلاحظ بشكل خاص معاناة الأقباط، الذين يواجهون منظومة تُفترض فيها الحماية، فإذا بها تتحول إلى أداة ضغط وقمع، مما يعزز الشعور بعدم الأمان والانتماء.
المظاهر الدينية الخاوية وتغذية الانقسام
بالرغم من زيادة المظاهر الدينية بشكل لافت، إلا أنها غالبًا ما تكون خاوية من روحها الحقيقية. لا تنعكس هذه المظاهر على السلوك الإنساني، بل تُستخدم أحيانًا كغطاء لتبرير التعصب وتغذية الكراهية، مما يضفي شرعية زائفة على التمييز. الدين الحقيقي، كما يؤكد الكاتب، يُقاس بثماره من محبة وسلام وعدل، وليس بالشعارات أو المظاهر الخارجية. في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس، يضع الرسول بولس معيارًا واضحًا: بدون محبة، كل شيء باطل.
سياسات فاشلة وتهديد لكيان الدولة
ما نشهده اليوم ليس مجرد احتقان اجتماعي، بل نتيجة مباشرة لسياسات فاشلة سمحت للطائفية بالنمو، وغضت الطرف عنها حين استهدفت الأقباط. مع تكرار الجرائم والاعتداءات دون محاسبة حقيقية أو ردع فعلي، تصل رسالة خطيرة إلى المجتمع: لا عدالة حقيقية. هذا ليس فقط ظلمًا للأقباط، بل تهديد لكيان الدولة نفسها، حيث يتآكل الإحساس بالانتماء مع استباحة الكرامة وغياب الحماية.
ذكريات مصر الماضية وتغيّر الملامح الحالية
يتذكر الكاتب مصر التي كانت مختلفة، حيث كانت العائلات تتجمع كواحدة، والجيران كالإخوة، والمحبة تسود دون حسابات أو حساسيات. كانت مصر وطنًا يتسع للجميع، لا تُدار بالخوف أو التمييز. أما اليوم، فقد تغيرت الملامح وتبدلت القيم، حتى أصبح المواطنون غرباء في وطنهم. والأخطر أن هذا التغير أدى إلى ردود فعل سلبية، مثل الرد بالإهانة أو السخرية، مما يعمق الانقسام بدل بناء الوطن.
مطالب مشروعة لاستعادة مصر الحقيقية
ما نريده واضح ومشروع: دولة تستعيد حيادها، وأجهزة أمنية تقوم بدورها الحقيقي في حماية جميع المواطنين دون تمييز، وقضاء عادل لا يُسأل فيه المتهم عن دينه بل عن جريمته، ومحاسبة حقيقية لكل من يحرض أو يعتدي، وبرلمان يكون صوتًا للحق كله. ببساطة، نريد وطنًا يجمع ولا يفرق، وطن الأمان والانتماء. "جمهورية جديدة" لا يمكن أن تُبنى على أساس التمييز أو الصمت عن الظلم.
خطر شامل ودعوة للاستيقاظ
الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن مصر تعاني من أزمة عدالة عميقة. بدون عدالة، لا أمن؛ وبدون أمن، لا انتماء؛ وبدون انتماء، لا وطن. إذا لم تستفق مؤسسات الدولة، وخاصة الأجهزة الأمنية والقضائية، وتصحح هذا المسار، فإن الخطر لن يهدد فئة بعينها، بل سيطال الوطن بأكمله. حتى تعود مصر، سيظل الصوت مرتفعًا والموقف ثابتًا، إيمانًا بأن هذا الوطن يستحق الأفضل، وسيستمر فضح الجرائم على كافة الأصعدة. إنه واجب إنساني وأخلاقي ووطني وديني.



