حزب الله والمسؤولية الذاتية للبنانيين: تحليل عميق لعلاقة معقدة
في مقال نُشر في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، بتاريخ الأربعاء 18 مارس 2026، يستعيد الكاتب حازم صاغية صورةً استخدمها سابقاً لوصف العلاقة بين لبنان وحزب الله، مشيراً إلى أن النظام الإيراني ونظام الأسد في سوريا عملا على إطعام وتسمين وحش داخل غرفة صغيرة هي لبنان.
تضخم الوحش وتهديد الغرفة
على مدى عقود، كبر هذا الوحش وتضخم حتى أصبح حجمه يعادل حجم الغرفة، مما يجعل التخلص منه يهدد بتصديع الغرفة نفسها. هذه الحالة ليست غريبة عن أحوال عربية مشابهة، حيث سُمّنت وحوش لأسباب مختلفة، غالباً ما يتدخل فيها طرف خارجي يصعب التحكم بحركته أو نواياه.
يشير الكاتب إلى أمثلة من التاريخ الحديث، مثل العراق تحت حكم البعث منذ 1968 حتى 2003، وليبيا تحت حكم القذافي منذ 1969 حتى 2011. ويؤكد أن تاريخنا العربي غني بتجارب تظهر أن المبادرات النابعة من أسباب دينية أو قومية أو قبلية، غالباً ما تكون أكبر من محفزات التغيير المتعلقة بالنظام السياسي والعلاقات الاجتماعية.
دور اللبنانيين في هذه المعادلة
يؤكد الكاتب أن كثيراً من اللبنانيين، مثل زملائهم في شعوب أخرى، قاوموا وتحمّلوا العنف وتبعاته، ولا ينبغي الاستهانة بمحاولاتهم التصدي لنظامين شرسين رعيا حزب الله وشكلا معه النظام القائم. ومع ذلك، فإن الحديث عن مسؤولية ذاتية عريضة يبقى مبالغة تفيض عن الواقع.
فقد ذهب بعيداً التعايش مع ذلك النظام وتبريره وتسمينه، ولا يزال الاعتذار عن المساهمة في الكوارث التي أنزلها، ناهيك عن التعلم منها، مسألة مؤجلة. بين اللبنانيين، شاركت في أداء هذه الوظيفة بيئة من الأعيان الصغار والكبار، الذين ليسوا عديمي التمثيل والفعالية.
البيئات المؤثرة في دعم حزب الله
في هذا الوسط، امتُهن التسابق على امتداح الحزب وزعيمه، بوصفه جزية تُدفع مقابل الحصول على تنفيعات وخدمات. كما شاركت بيئة من الآيديولوجيين الذين رأوا في الحزب قاطرة القضية المقدسة، وطوروا فكرة أن وجوده حتمي لأن الاحتلال هو الذي يأتي بالمقاومة.
لكن الكاتب يوضح أن الاحتلال لم يكن حتمياً، بل المقاومة الفلسطينية هي التي جاءت به. وبدل الانكباب الوطني على تجنب تكرار مأساة كهذه، تمت المداواة بالداء الأصلي، فكانت مقاومة حزب الله التي فاقت سابقتها قوة وصلافة واستدعاء للاحتلال.
تداعيات استمرار المقاومة بعد الانسحاب
بعد انسحاب الاحتلال في عام 2000، بقيت المقاومة، مما يبين أنها علّة نفسها، وأنها هي ما ينجب الاحتلال، وليس العكس. فعندما بدت حاجة لإعادة تشديد القبضة التي هددتها ظاهرة 14 آذار والانسحاب السوري من لبنان، اختطف الحزب جنديين إسرائيليين، ووصفت الحرب التي تلت بالعدوان على لبنان.
واستمر الأمر مع حرب الإسناد التي بدأها الحزب، فكسبنا بها عدواناً آخر على لبنان. وإضافة إلى البيئة الثالثة المرتبطة بالحزب ارتباطاً آلياً، وهي أوسع من البيئتين السابقتين، نضع اليد على التقصير الوطني في أداء الواجب.
مقارنة تاريخية ودروس مستفادة
كثيراً ما يستشهد المؤرخون ودارسو الأفكار بمثل كلاسيكي قدمته ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، حيث سادت خرافة الطعن في الظهر بدل دراسة الهزيمة، مما ساهم في صعود الوحش النازي واندلاع الحرب العالمية الثانية.
في لبنان، قد يتخذ التنصل من المسؤولية العامة شكلاً آخر، وهو التعويل على إسرائيل لإنجاز المهمة، مع تهليل ساذج بأبطال يحرروننا، بدل الاحتفاظ بالمخاوف والقلق المستمد من أسباب عديدة.
خاتمة: ضرورة التحول الذاتي
قد تفسر أفعال الحزب الخرابية هذا الميل عند البعض، لكنها لا تمنع تكرار المآسي، ولا تعلم اللبنانيين أو تطالبهم بإجراء تحول في ذواتهم يتيح لهم أن يمسكوا، للمرة الأولى، بتاريخهم ويحركوا دفة هذا التاريخ. وهذا إن بقي شيء من الغرفة التي سُمح للوحش المقيم فيها بأن يصير من الضخامة ما صار عليه.
