ترمب ومغالطات الحرب مع إيران: سياسة تتحدى القاعدة الشعبية
رغم الغضب الواضح من قاعدته الشعبية "ماغا"، يثبت الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أنه لا يلتزم بكل ما تريده هذه القاعدة القوية. ففي قضايا حساسة مثل غزة وفنزويلا وإيران، أظهر ترمب قدرة على معاكسة بعض المبادئ الأساسية لقاعدته والانتصار في النهاية. هذا التصرف يطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا يفعل ترمب ذلك؟
المغالطة الأولى: معارضة مبدأ "أميركا أولاً"
يتساءل الكثيرون: هل يعارض ترمب فعلاً مبدأ "أميركا أولاً" بسبب سياسته الخارجية التدخلية؟ الواقع يشير إلى العكس تماماً. فمن مصلحة أميركا الاستراتيجية الحفاظ على الاستقرار الدولي، خاصة في مناطق حيوية مثل الخليج والشرق الأوسط. التاريخ يعلمنا أن التردد الأمريكي تجاه التهديدات الكبرى - كالنازية والإرهاب والنظام الإيراني - أدى غالباً إلى عالم أكثر فوضى.
تجاهلت أميركا النازية حتى أعلنت الحرب عليها، وتجاهلت الإرهاب حتى ضرب أبراجها، وتجاهلت النظام الإيراني حتى فخّخ المنطقة بالميليشيات وقرصن المضايق البحرية. هذا النمط من التردد يثبت أن التدخل في الوقت المناسب قد يكون ضرورياً للحفاظ على المصالح الأمريكية.
المغالطة الثانية: رجل الحروب لا رجل السلام
يسعى الساسة الحزبيون والصحافة المعادية لترويج فكرة أن ترمب هو "رجل الحروب" وليس "رجل السلام". لكن الواقع أكثر تعقيداً. يقود ترمب من خلال مبدأ أن القوة تقود إلى السلام، بينما الضعف والاحتواء يقودان إلى مزيد من العنف.
يواجه ترمب إيران بعد سياسات طويلة من الاحتواء والضعف، وصلت إلى حد منح طهران مفاتيح المنطقة للهيمنة عليها. بتمزيق أوراق الاتفاق النووي، يؤكد ترمب أن الرؤساء السابقين طوال 47 عاماً لم يفعلوا شيئاً حقيقياً لإيقاف النظام الإيراني رغم أفعاله العدوانية المستمرة.
الدروس التاريخية: القوة كطريق للسلام
التاريخ يقدم أمثلة واضحة:
- هزيمة ألمانيا النازية بالقوة العسكرية أنهت مشروعاً توسعياً خطيراً ومهدت لأوروبا مستقرة ومزدهرة
- هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية أنهت التوسع العسكري وفتحت الباب للصعود الاقتصادي الآسيوي
هذه الدروس تشير إلى أن بعض المشاريع الأيديولوجية التوسعية لا تتوقف بالتعهدات أو الاتفاقيات، بل عندما تُهزم هزيمة واضحة تنهي قدرتها على العبث بالاستقرار الإقليمي.
الشرق الأوسط عند مفترق طرق تاريخي
يعيش الشرق الأوسط منذ عقود في دوامة من القلاقل والحروب بالوكالة بسبب مشروع النظام الإيراني. استُخدمت كل أدوات الدبلوماسية:
- الإغراءات الاقتصادية
- قنوات الحوار المفتوحة
- محاولات الثني عن المشروع التخريبي
لكن هذه المحاولات لم تغيّر من سلوك النظام الإيراني شيئاً. والصواريخ والمسيّرات الإيرانية تستمر في السقوط على العواصم والمدن الخليجية، رغم السعي المستمر لدول المنطقة لتجنب الحرب.
يقف الشرق الأوسط اليوم أمام لحظة تاريخية حاسمة: إما أن يستمر مشروع الفوضى الذي تقوده طهران، وإما أن يتوقف عند حده كما توقفت قبله مشاريع توسعية أخرى في التاريخ. فقط عندها يمكن للمنطقة أن تخرج من دائرة الصراع المزمن وتدخل مرحلة طويلة من الاستقرار والتنمية التي تستحقها شعوبها.
ترمب، من خلال سياسته، يختبر هذه الفرضية التاريخية، متحدياً ليس فقط النظام الإيراني، ولكن أيضاً المغالطات الشائعة حول دور القوة والتدخل في السياسة الدولية.
