مقارنة تاريخية: السادات والخميني.. من حقق إنجازات واقعية للقضية العربية؟
السادات والخميني: من حقق إنجازات واقعية للقضية العربية؟

مقارنة تاريخية بين نهجين: الواقعية مقابل الشعارات

يتساءل الكاتب في تحليل عميق: "من كان البطل حقًا طبقًا لمعايير العقل والمنطق والواقع، السادات أم الخميني؟"، مقدماً مقارنة دقيقة بين نهج الرئيس المصري الراحل أنور السادات الواقعي في إدارة الصراع مع إسرائيل، ونهج الخميني القائم على الشعارات والخطابات الحماسية، وذلك في ضوء النتائج الملموسة التي حققها كل منهما على أرض الواقع.

خلفية تاريخية: التعبئة الفكرية في السبعينيات

في بداية عقد السبعينيات من القرن الماضي، وتحديداً بين عامي 1971 و1972، كان الكاتب طالباً في المرحلة المتوسطة بمدرسة السعدية، عندما طلب مدرس اللغة العربية من الطلاب كتابة موضوع إنشاء عن احتلال إيران للجزر العربية الثلاث في الخليج العربي، وهو الحدث الذي كان ساخناً في ذلك الوقت، وقد اهتم به النظام العراقي القائم بشكل واضح وجلي.

وقد منح المدرس الطلاب رؤوس نقاط للموضوع، ومن بين ما يتذكره الكاتب أن المدرس شبه الاحتلال الإيراني لهذه الجزر بـ"إسرائيل الثانية"، وعندما رفع الكاتب يده متسائلاً: "هل طردت إيران سكان هذه الجزر؟"، نهره المدرس بمنتهى العصبية، ورفع العصا التي كانت بيده موجهة نحو وجهه، قائلاً: "أنت تسمع فقط وتكتب ما أقول!"

هذه العبارة "تسمع فقط" لم تكن حكراً على العراق فحسب، بل كانت سمة بارزة لتلك الفترة التاريخية، خاصة في ظل الأنظمة العربية الدكتاتورية التي أطلقت على نفسها صفة "الجمهوريات"، حيث كانت شعوب هذه الجمهوريات - التي كانت تفتقر في الأساس إلى جوهر الجمهورية الحقيقية - معبأة بكراهية مكثفة تجاه أميركا وإسرائيل وما كان يسمى بـ"الرجعية العربية"، أي الدول الملكية المجاورة مثل الأردن والمملكة العربية السعودية والمغرب وغيرها.

وكانت هذه الشعوب، وفقاً لتلك التعبئة المعدة مسبقاً، تنتظر بفارغ الصبر هجوماً عربياً شاملاً من أجل تحرير فلسطين والقضاء على دولة إسرائيل بشكل تام وكامل.

مفاجأة السادات: تحول نوعي في الصراع

باغت الرئيس المصري الراحل أنور السادات العالم كله في تشرين الأول (أكتوبر) من عام 1973، عندما قام الجيش المصري بعبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف الدفاعي الإسرائيلي، وقد انتعش الشارع العربي آنذاك انتعاشة غير مسبوقة، حيث شكل هذا الحدث تطوراً نوعياً مهماً في مسار الصراع العربي الإسرائيلي، وعكس ليس فقط القدرات القتالية المصرية، بل أيضاً العبقرية الاستراتيجية التي تمتعت بها القيادة المصرية في ذلك التوقيت الحرج.

هذا النصر العسكري المصري الباهر، الذي تعزز أكثر مع إعلان الملك فيصل بن عبدالعزيز عن وقف تصدير النفط للدول الغربية الداعمة لإسرائيل، رافقه أيضاً إعلان واضح من السادات بأنه "لن يتمكن من محاربة أميركا"، في إشارة صريحة منه للدعم الأميركي المباشر والمكثف لإسرائيل، خاصة في وقت لم يكن الاتحاد السوفياتي - الحليف التقليدي للدول العربية - على استعداد لتقديم دعم مماثل لمصر وللدول العربية الأخرى.

الخيارات المتاحة: بين الواقعية والنظرية

بعد زيارة السادات التاريخية إلى إسرائيل وخطبته الشهيرة في الكنيست الإسرائيلي، والتي تلاها استرداد سيناء بالكامل، وقفت ما يسمى بـ"جمهوريات الدكتاتورية" العربية ضده ووصفته بأشنع الأوصاف وأقسى العبارات، فيما توعدت إسرائيل بردود فعل عنيفة لم نشهدها على أرض الواقع، بل إن بعض الذين توعدوا من القادة العرب قد تم إعدامهم أو قتلهم على يد شعوبهم نفسها.

ومنذ ذلك الحين، صارت المنطقة العربية أمام خيارين رئيسيين لا ثالث لهما: الخيار الأول واقعي وعملي يقوم على تطبيع العلاقات مع إسرائيل والتعامل مع الأمر الواقع، والخيار الثاني حماسي ونظري يزعم مواجهة إسرائيل والقضاء عليها بشكل كامل. ومع أن الخيار الأول كان هو الخيار الملموس والواقعي، إلا أن الخيار الثاني ظل مجرد برقع يخفي وجوه دكتاتوريات معادية لشعوبها، ولم يتقدم قيد أنملة إلى الأمام على مستوى التحقيق الفعلي.

ظهور الخميني: تحول في الخطاب

استمرت هذه الصورة بين الخيارين المذكورين حتى جاء الخميني إلى السلطة في إيران عام 1979، حيث أوحى بأنه يسعى إلى تفعيل الخيار الثاني الذي عجزت "جمهوريات الدكتاتورية العروبية" عن جعله ملموساً وقابلاً للتحقيق، ولكن هذه المرة لم يكن الخطاب بطابع قومي عربي، بل إسلاموي شمولي، وهو الخطاب الذي قاد في النهاية إلى حرب صيف 2006 المدمرة في لبنان، وإلى كارثة 7 تشرين الأول (أكتوبر) التي نفذتها حركة حماس، مروراً بحرب الأيام الـ12، وانتهاءً بالحرب الحالية الدائرة في المنطقة.

تقييم النتائج: إنجازات مقابل شعارات

لكن السؤال المهم الذي يطرح نفسه بقوة: ما الذي حققه الخميني فعلياً من مكاسب للقضية المركزية للعرب بحيث يمكن اعتباره أفضل من "جمهوريات الدكتاتورية العروبية"، ولا سيما إذا ما قمنا بمقارنته الموضوعية مع إنجازات السادات؟ هل تمكن الخميني من استرداد ولو شبر واحد من الأرض العربية المحتلة مثل مرتفعات الجولان أو الأراضي الفلسطينية؟

وهناك سؤال آخر بالغ الأهمية لا يجب تفويته أو تجاهله، وهو: هل إن حال الشعب الإيراني كان أفضل من حال شعوب الجمهوريات العروبية في خضم تلك المواجهات والشعارات الحماسية التي رفعها؟ الواقع يشير بوضوح إلى أن الأفضلية ليست للخيار الثاني، حيث أصبحت أكثرية الشعب الإيراني تعيش تحت خط الفقر والمجاعة في ظل سياسات النظام.

الخاتمة: دروس مستفادة

وكما أن المد القومي السابق قد جعل الشعوب العربية تعيش حالة من الوهم والانتظار، فإن الخميني قد ضاعف هذا الوهم أكثر وأكثر. ونسأل في النهاية السؤال الأهم والأعمق: من كان البطل حقاً طبقاً لمعايير العقل والمنطق والواقع، السادات أم الخميني؟

لا يكفي أبداً أن تملأ الدنيا صخباً بالشعارات الثورية والحماسية الجوفاء إذا لم تتمكن من أن تجد لهذه الشعارات صدى حقيقياً على أرض الواقع. وقد كان الكاتب الروسي العظيم فيودور دوستويفسكي محقاً تماماً في هذا السياق عندما قال: "إن جميع أحلامي التي هي مزيج من البطولة والأخيلة الروائية قد طارت من رأسي عند أول اتصال بالواقع".