الجنون اللبناني يدهش العالم مجدداً: مقاهي القصف ومفاوضات وهمية تعكس العبث السياسي
الجنون اللبناني يدهش العالم: مقاهي القصف ومفاوضات وهمية

الجنون اللبناني يُدهش العالم مجدداً: مشاهد صادمة تعكس واقعاً مريراً

في ظل استمرار الحرب في لبنان، التي تعد استكمالاً لحرب 2024، تظهر مشاهد غريبة تدهش العالم وتعكس حالة العبث السياسي التي يعيشها البلد. حطام مبنى في أعقاب غارة إسرائيلية ليلية استهدفت حي المريجة في الضاحية الجنوبية لبيروت في 13 آذار (مارس) 2026، أصبح خلفية لمشاهد غير مألوفة، حيث يجلس مواطنون في مقاهٍ مطلة على القصف، يشربون القهوة والشاي والنرجيلة، ويراقبون الغارات الجوية عن بعد.

مقاهي القصف: ظاهرة سريالية تثير حيرة العالم

قبل عدة أيام، اتصل صديق أميركي بالكاتب مستفسراً عن حقيقة مقاطع مصورة منتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، تظهر مجموعة من الأشخاص في مقهى مطل على الضاحية الجنوبية، يعدون العدة لتصوير الغارات الجوية. الصديق الأميركي لم يقتنع للوهلة الأولى، ظاناً أن هذه المقاطع مولدة بالذكاء الاصطناعي، لكن الواقع يؤكد أنها تعكس ظاهرة اجتماعية غريبة في لبنان.

هذه الظاهرة ليست مجرد حدث عابر، بل هي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحياة السياسية القائمة. إذا كان المواطن العادي غائباً عن الحقيقة بحجة مشاغل الحياة اليومية، فإن الملفت للنظر هو أن قامات البلد السياسية، التي من المفترض أن تكون على بيّنة من الأمور، تعيش هي الأخرى في عالم مليء بالأوهام، عن قصد أو بدون قصد.

مفاوضات وهمية: منتج جديد في سوق السياسة اللبنانية

بينما يحلق مواطنون في مقاهٍ لرؤية ما يحدث، يعد جمع آخر من كبار السياسيين العدة للخوض في مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل. هذا المنتج الجديد، كما تسميه السلطات اللبنانية، لا يقل جودة عن المنتجات التي جرى تصديرها في الأشهر الأخيرة، مثل ماركات حصرية السلاح جنوب الليطاني، واستعادة قرار الحرب والسلم.

التفاوض المباشر يطرح أسئلة غامضة: حول ماذا ولماذا؟ لكن المهم هو الجهوزية، بغض النظر عن موافقة إسرائيل أو الولايات المتحدة أو أي دولة أخرى. السلطة تعد فريقها وتبعث برسالة خارجية إلى العالم بأن المنتج الجديد سيصبح قريباً في الأسواق، وأخرى داخلية إلى المواطنين بأن المشاهدة الحية لعمليات القصف قد اقتربت من المراحل النهائية.

الجنون يتجاوز المقاهي: وفود مفاوضات على أنقاض الوطن

الجنون اللبناني لم يقف عند المقاهي أو الصالونات السياسية، بل امتد إلى تشكيل وفود للتفاوض مع إسرائيل، حتى لو لم تحضر الطرف الآخر. هذه الوفود تجري تشكيلها تماماً كما يتم تشكيل الحكومات منذ الاستقلال، مع حجز حصص للطوائف والأحزاب، تحت مبدأ الانصهار الوطني والعيش المشترك، حتى لو كان ذلك على أنقاض وطن.

مخطئ من يعتقد أن حزب الله يتحمل المسؤولية وحيداً، فعدد كبير من الأحزاب والشخصيات التي شاركت في جنة السلطة مسؤولة عن جزء من الخراب، بسبب تعاطيها غير الجدي وغير المسؤول منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024.

فقدان الثقة: العزلة الدولية وتداعياتها الخطيرة

هذه الجماعات مجتمعة ضربت ثقة المجتمع الدولي بالسلطات اللبنانية، حتى أضحت تتشاور مع نفسها وتعد الوفود من تلقاء نفسها، وتضرب موعداً مع أطراف صرحت علناً أنها غير معنية بأي تفاوض. الأخطر من هذا كله أن فقدان الثقة الدولية وصل إلى المؤسسة العسكرية، التي قد تكاد تكون المؤسسة الوحيدة التي تحوز ثقة اللبنانيين، ولكن قدرها على ما يبدو أن تدفع فاتورة مغامرات السياسيين بين المرحلة والأخرى.

لبنان يعيش حالة من العبث السياسي، حيث تختلط الحدود بين الوعي واللاوعي، وتضيع الثقة الداخلية والدولية، في مشهد يبدو كجنون يدهش العالم مجدداً.