إيران بين نبض المجتمع وتصلب الدولة: هل يستمر حكم الملالي في مواجهة التحولات الاجتماعية؟
إيران: ديمومة حكم الملالي بين نبض المجتمع وتصلب الدولة

إيران بين نبض المجتمع وتصلب الدولة: هل يستمر حكم الملالي في مواجهة التحولات الاجتماعية؟

في تحليل عميق للمجتمع السياسي الإيراني، يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يدوم حكم الملالي في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها البلاد؟ هذا السؤال ليس سياسياً فحسب، بل هو سوسيولوجي في جوهره، يستدعي قراءة واقعية تعتمد على أعمال كتّاب إيرانيين مستقلين ودراسات أكاديمية متنوعة.

قراءة المجتمع الإيراني عبر أعمال أدبية وأكاديمية

عند قراءة كتاب "The Heartbeat of Iran" لتارا بهرامبور، إلى جانب أعمال مثل "Guardians of the Revolution" لراي تقية، و"The Shia Revival" لولي نصر، وتأملات أذار نفيسي في "Reading Lolita in Tehran"، تتكشف صورة مركبة لإيران. هذه الصورة لا تختزل البلاد في شعارات ثورية أو مجرد نظام "ملالي"، بل تظهرها كتركيب اجتماعي معقد، يجمع بين تاريخ طويل من الدولة المركزية، والهوية القومية الفارسية، والتديّن الشعبي، والتجربة الثورية الحديثة.

يذهب كتاب بهرامبور، التي ولدت في أميركا بعد هجرة أسرتها عشية سقوط الشاه، إلى تفاصيل الحياة اليومية في المقاهي والجامعات والأسواق، ليؤكد وجود مجتمع شاب، متعلم، ومتصل بالعالم، يختلف إيقاعه عن إيقاع المؤسسة الدينية الحاكمة. من ناحية أخرى، يشرح راي تقية كيف تحولت الثورة الإسلامية من حركة تعبئة شعبية إلى نظام مؤسساتي مغلق، تديره شبكات معقدة من رجال الدين والحرس الثوري والبيروقراطية الدينية، مما يبرز التباين بين المجتمع المتحرك والدولة المتخشبة.

التحولات الاجتماعية الكبرى في إيران

سوسيولوجياً، هناك ثلاثة تحولات رئيسية تستحق التوقف:

  • التحول الديموغرافي: إيران اليوم مجتمع شاب، حضري بنسبة كبيرة، ومستوى التعليم فيه مرتفع، خاصة بين النساء. هذا الجيل لم يعش تجربة 1979 أو حرب الثماني سنوات مع العراق، ولا يحمل الذاكرة الثورية ذاتها التي تمنح الشرعية الرمزية للنظام. هنا تتحول الشرعية من "شرعية ثورية" إلى "شرعية أداء"، تعتمد على قدرة الدولة على توفير الاقتصاد والاستقرار والفرص، وهي قدرة تتراجع بفعل العقوبات وسوء الإدارة والفساد.
  • تحول التديّن: التدين في إيران لم يختفِ، لكنه لم يعد مطابقاً للخطاب الرسمي. هناك تديّن ثقافي، فردي، وصوفي أحياناً، بالإضافة إلى نزعة قومية فارسية عميقة تتجاوز الثورة. هذا التعدد يعني أن احتكار المؤسسة الدينية للفضاء العام لم يعد يعكس كل أشكال الإيمان في المجتمع، مما قد يؤدي إلى تآكل داخلي بطيء.
  • التحول الاقتصادي–الطبقي: العقوبات الدولية أنهكت الاقتصاد وأعادت توزيع مراكز القوة، حيث توسع الحرس الثوري في الاقتصاد وظهرت طبقة شبه عسكرية-تجارية مستفيدة. في المقابل، تآكلت الطبقة الوسطى، وهي حامل التحديث تاريخياً، مما وسع الفجوة بين مجتمع يطمح إلى حياة طبيعية ودولة تعيش عقلية الحصار.

مفارقة الاستقرار المتوتر وتحديات المستقبل

مع كل دورة احتجاج، كما في 2009 والاحتجاجات اللاحقة حتى كانون الثاني/ يناير 2026، يتجدد السؤال عن قدرة النظام على استيعاب الضغوط. في الاشتباك الأخير، الذي ربما يسمى حرب مارس 2026، يراهن البعض على سقوط النظام، لكن هذا يتجاهل أن الدولة الإيرانية ليست هشّة؛ فهي تملك جهازاً أمنياً فعالاً، وبنية مؤسساتية متماسكة، وشبكة مصالح عريضة تربط الدين بالاقتصاد بالعسكر، بالإضافة إلى شعور قومي قوي يرفض التدخل الخارجي.

في علم الاجتماع السياسي، توصف هذه الحالة بـ"الاستقرار المتوتر"، حيث لا يكون النظام مستقراً بالكامل ولا المجتمع في حالة ثورة دائمة، بل تعايش قلق بين الطرفين. التاريخ الإيراني يقدم دروساً من ثورة 1906 الدستورية وسقوط الشاه عام 1979، حيث جاءت هذه الأحداث بعد تراكم طويل من التحولات الاجتماعية. لكن النظام الحالي تعلم من سابقيه وبنى مؤسسات حماية، مما يجعل احتمال عدم الديمومة لا يعني حتمية الانهيار، بل احتمال التحوّل الداخلي، مثل إعادة توزيع السلطة بين رجال الدين والحرس الثوري، أو تقليص الدور الأيديولوجي لمصلحة إدارة أكثر تقنية.

إيران ليست كتلة جامدة، بل مجتمع نابض كما تقول بهرامبور، لكنها أيضاً دولة متجذرة كما يشرح تقية. بين النبض والصلابة يتحدد المستقبل. حكم الملالي ليس قدراً أبدياً، لكنه أيضاً ليس بناءً ورقياً ينتظر نسمة. ديمومته مرهونة بقدرته على قراءة مجتمعه، لا بقدرته على إسكات صوته. وإن كان المجتمع الإيراني أثبت شيئاً عبر قرن من الزمن، فهو أن التحوّل فيه بطيء، لكنه حين ينضج لا يعود إلى الوراء.