قانون الغاب في العلاقات الدولية: هيكل السلطة المتكرر عبر التاريخ
تعيد السياسة الدولية إنتاج قانون الغاب بشكل متواصل عبر أقطاب عالمية وإقليمية تتصارع على النفوذ والهيمنة، بينما تبقى الشعوب الصغيرة - وفي مقدمتها الشعب الكردي - ضحية مباشرة لتوازنات المصالح الكبرى التي تتجاهل حقوقها الأساسية وتاريخها العريق.
الهرمية السلطوية: من عالم الحيوان إلى السياسة البشرية
تبدأ الصورة من مستأسد يجلس في مركز الغابة، يتمتع بأعلى درجات القوة والهيبة والقدرة على تدبير العنف، بينما يتحلق حوله من يتمسحون به خوفاً وتملقاً وطمعاً في الحظوة. هذه الصورة لا تقتصر على عالم الحيوان، بل تمتد إلى التاريخ السياسي للإنسان حيث تتأله السلطة وتجد مشجبها الغيبي، وتتكون حولها حاشية متكاثرة ثم دوائر أصغر فأصغر.
تشمل هذه الدوائر:
- سلطة الأب داخل الأسرة
- نفوذ الأخ الأكبر
- تأثير الأخ الأكثر ثراءً
حيث يستمد كل منها وزنه من مركز واحد، وهكذا تنشأ الهرمية وتتولد حلقات القوة المتداخلة.
التناسخ السلطوي: أسود صغار في محيطهم
كل فرد في هذه الحلقات يكرر النموذج ذاته داخل نطاقه الضيق: أسيد صغير أو جريو صغير يكون تابعاً للأسد في المركز، بينما يصير أسداً صغيراً في محيطه الخاص. تتشكل شبكة النفوذ من هذا التناسخ المستمر، حيث تنتقل القوة من الأعلى إلى الأسفل، ويصعد الولاء من الأسفل إلى الأعلى.
تتجلى المشكلة في ظل التصفيات الداخلية داخل الدوائر السفلى، حيث يزاح الضعفاء أو المتمردون أو العاجزون عن تقديم الطاعة الكاملة، لتترك عملية الفرز هذه في النهاية أقطاباً صغاراً يحمل كل منهم ظل القوة الكبرى ويعمل تحت أمرها.
من التأله إلى القطبية: تطور أشكال الهيمنة
السلطة الميتافيزيقية: من ظل السماء إلى ابن الآلهة
يقدم التاريخ البشري أمثلة كثيرة على استمداد الطغاة قوتهم من فكرة متعالية، حيث لم يكتف الحاكم بالسلطة المادية بل لجأ باستمرار إلى الشرعية الدينية ليحتمي بها. نجد ملكاً يعلن أنه ظل السماء، أو إمبراطوراً يدعي أنه ابن الآلهة، أو سلطاناً يرى نفسه ظل الإله فوق الأرض.
تسوغ فكرة التأله هذه الطاعة المطلقة، حيث تتحول معارضة الحاكم إلى تمرد على إرادة السماء، مما يجعل السلطة السياسية امتداداً لسلطة ميتافيزيقية قادرة على إخضاع المجتمعات لفترات طويلة.
القطبية الدولية: إعادة إنتاج القانون في قالب جديد
مع انتقال العالم إلى صيغة القطبية الدولية، تكررت القاعدة القديمة في إطار شعارات جديدة. تشكل القطبان الكبيران في القرن العشرين - الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي - حيث شيد كل منهما حول نفسه منظومة نفوذ وأقطاباً صغاراً داخل مناطق تأثيره.
تدور في فلك هذه القطبية دول كاملة، وتتحرك جيوش جرارة تبعاً لقرار المركز، وفق سياسات تُصاغ في العواصم الكبرى قبل أن تنتقل إلى الأطراف، مما مكن من إعادة إنتاج قانون الغاب في هيئة منظومة دولية معقدة.
الشرق الأوسط: ساحة صراع الأقطاب الإقليمية
بات الشرق الأوسط يعكس هذه البنية الدولية بشكل واضح، حيث نشهد كيف أن قوى إقليمية صارت تحاول تقديم وفرض نفسها كأقطاب داخل الإقليم، غير متورعة عن افتعال الحروب والمناورات السياسية.
من أبرز هذه القوى:
- إيران: التي سعت لبناء مجال نفوذ واسع عبر الشبكات العسكرية والسياسية
- تركيا: ذات التاريخ الدموي الطويل والتي تسعى لدور قيادي يتجاوز حدودها الجغرافية
- المملكة العربية السعودية: التي تحاول تثبيت مركز ثقل عربي وإقليمي
تحاول كل من هذه القوى أن تكون صورة مصغرة عن قطب أكبر، حيث يجري التنافس على المكانة والهيمنة والنفوذ في منطقة تعاني من تاريخ مثقل بالصراعات الدموية.
الشعب الكردي: النموذج الرمزي للمعاناة المستمرة
تاريخ من الاستغلال والإهمال
يقف الشعب الكردي في مقدمة القضايا المعلقة، حيث يعيش هذا الشعب واسع الانتشار ضمن خرائط دول متعددة، بينما ظلت مطالبه القومية والسياسية مرتبطة بمواقف القوى الكبرى التي تستخدم القضية كورقة ضغط ثم تتركها حين تتغير المصالح.
رافق هذا الواقع تاريخ طويل من:
- الصهر القسري
- سياسات التعريب والتتريك والتفريس
- محاولات دمج الكرد داخل هويات الدول القائمة
من العثمانيين إلى الثورة الإيرانية: نماذج متكررة
يمكن تتبع هذا النمط منذ العثمانيين الذين استخدموا المقاتلين الكرد في جبهات عديدة ثم أهملوهم أو وضعوهم على طاولة الإعدام، مروراً بما سمي بـ الثورة الإيرانية بقيادة آية الله الخميني التي استفادت من الدعم الكردي في بدايتها ثم غدرت بمن اعتمدتهم.
تحولت جغرافيا كردستان إلى ميدان لخطوط الحرب الكبرى، حيث مرت عبر أرضهم حروب عالمية مصيرية، وانطلقت فوق جبالهم ومدنهم صراعات إقليمية متعددة، واستعانت تحالفات دولية بقواتهم في ميادين مختلفة.
نحو نظام دولي عادل: الطريق الوحيد للاستقرار الحقيقي
يرتبط الاستقرار الحقيقي في العالم بمعالجة هذه العقدة التاريخية، حيث لا تزال شعوب مضطهدة كثيرة تعيش داخل خرائط فرضت عليها ولم تخترها، وتنتظر قضاياها المعلقة حلولاً عادلة من المجتمع الدولي.
يظهر جوهر المسألة في أن فكرة القطب - حين تأسست على منطق القوة وحدها - أنتجت نظاماً يستنسخ قانون الغاب تحت ظل السياسة الدولية، حيث يهيمن أسد كبير على الغابة، ويقابله أسد أصغر يدور حوله، بينما تدفع الشعوب التي تعيش داخل تلك الغابة فاتورة الصراع البغيض.
ستظل العدالة المؤجلة تتحول مع الزمن إلى بؤرة صراع متجددة، وسيستمر هذا الواقع إلى أن تتشكل أسرة دولية عادلة تعطي لكل شعب حقه في تقرير مصيره، بعيداً عن إرادة القوى الطاغية التي تفرض خرائطها المقدسة على حساب حقوق الشعوب الأصلية.
