من ماسحي الأحذية إلى نازحي الحرب: الكذبة التي حكمت شيعة لبنان
في خضم الدمار الذي حل ببيروت بعد القصف الإسرائيلي، تبرز كلمات الأمين العام السابق لحزب الله، حسن نصر الله، التي استخدمها لترهيب شيعة لبنان وإخضاعهم لسلطة ميليشيا إيران. فقد هددهم بعودة إلى ماضٍ "وضيع" بدون سلاح الحزب، مدعياً أن هذا السلاح هو ضمانة كرامتهم. لكن اليوم، مع مشاهد النزوح الجماعي من الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت، تتهاوى هذه الأكاذيب أمام الواقع المرير.
النزوح الجماعي: دليل على فشل الخطاب
شهدت المناطق الشيعية في لبنان حركة نزوح جماعي بلغت ذروتها بعد أوامر الإخلاء الإسرائيلية، حيث ترك آلاف الأشخاص بيوتهم قسراً بحثاً عن مأوى في مدارس أو عند الأقارب. هذا المشهد لم يكن مجرد نتيجة للحرب، بل كان دليلاً صارخاً على حجم الكذبة التي بني عليها خطاب حزب الله لعقود. فالحزب الذي وعد بحماية جمهوره والمحافظة على كرامتهم، تركهم تحت رحمة حرب لم يقرروا الانخراط فيها.
السلاح الذي زعم نصر الله أنه ضمانة للشيعة، تحول إلى سبب رئيسي لجعل بيوتهم أهدافاً للقصف ودافعاً أساسياً لتهجيرهم مع أطفالهم وشيوخهم. وهنا تكمن المفارقة المأساوية: فبدلاً من الحماية، جلب السلاح الدمار والنزوح.
خطاب نعيم قاسم: اجترار للادعاءات القديمة
من يتابع خطاب الأمين العام الحالي لحزب الله، نعيم قاسم، يجد أنه لا يقدم سوى اجتراراً مملّاً للادعاءات السابقة. فقد خرج ليعلن أن إطلاق الصواريخ كان رداً على انتهاكات إسرائيلية، وأن المشكلة تكمن في "الاحتلال" لا في السلاح، وأن المقاومة حق مشروع. لكن الحقيقة أبسط من كل هذه البلاغة المعلبة.
لو كان حزب الله حريصاً حقاً على لبنان أو على شيعته، لما اتخذ قرار الحرب نيابة عن بلد بأكمله. ولو كان صادقاً في حديثه عن السيادة، لما ربط مصير لبنان بطهران، ولما قدم نفسه كجزء من محور إقليمي لا علاقة له بمصالح اللبنانيين.
تعددية المجتمع الشيعي وقمع حزب الله
المجتمع الشيعي في لبنان ليس كتلة واحدة، بل يتميز بتعددية فكرية وسياسية تاريخية، من السيد محسن الأمين إلى الإمام موسى الصدر، ومن هاني فحص إلى لقمان سليم. هؤلاء لم يكونوا دعاة حروب عبثية، بل نادوا بالكرامة الإنسانية والدولة المدنية والعدالة الاجتماعية.
لكن حزب الله عمل لعقود على قمع هذا التنوع، وفرض معادلة واضحة: إما أن تكون مع السلاح أو أنت خائن. وقد دفع الشيعة ثمن هذه المعادلة اليوم، مع تهجير قرى الجنوب وتدمير الضاحية، بينما تكرر قيادات الحزب الشعارات نفسها التي لم تعد تقنع حتى جمهورها.
المفارقة القاسية: كرامة العمل اليدوي مقابل وقود الحروب
نصر الله كان يخوّف شيعة لبنان من العودة إلى زمن "ماسحي الأحذية والعتالين"، لكن الحقيقة أن ماسح الأحذية أو العتال هو إنسان يعيش من عرق جبينه بكرامة وشرف. العمل اليدوي ليس عاراً، بل العار في تحول مجتمع كامل إلى وقود لمشروع عسكري يخدم مصالح دولة أخرى.
اليوم، يقف شيعة لبنان أمام مفترق تاريخي: إما استعادة إرثهم الحقيقي من عقل وانفتاح ودولة، أو البقاء أسرى ميليشيا لا ترى فيهم سوى وقوداً بشرياً لحروبها. الانتفاضة على حزب الله لم تعد مسألة سياسية فحسب، بل أصبحت مسألة وجودية.
الصمت وثقافة الموت: تداعيات القبول بالأكاذيب
الأفظع في أكاذيب حزب الله هو ادعاء أن هذا المسار يحمي الشيعة، بينما في الواقع دمر قراهم وهجر أهلهم. لقد نجح الحزب في تحويل الأمهات إلى أدوات دعائية تحتفل بما يسميه "الاستشهاد"، بينما الحقيقة هي أنهم يحتفلون بفقدان أبنائهن.
هذه ليست ثقافة مقاومة، بل ثقافة موت. مجتمع يطبع على الفرح بموت أبنائه وتهجير عائلاته هو مجتمع يدفع نحو الهاوية. والتاريخ لا يرحم الصامتين، فالأمم التي تسكت عن تحويل أبنائها إلى وقود للحروب تفقد حقها في ادعاء المظلومية.
ربما آن الأوان أن يعلن اللبنانيون، والشيعة قبل غيرهم، الحقيقة التي حاول حزب الله دفنها لعقود: ليتنا كنا ماسحي أحذية وقضاة ومعلمين وأطباء نعيش بشرف، بدلاً من أن نكون أمة تُفرض عليها امتهان الموت والتهجير.
