ولاية الفقيه في إيران: اختبار تاريخي لنظرية الحكم الديني وسط تحديات الانهيار
ولاية الفقيه في إيران: اختبار تاريخي لنظرية الحكم الديني

ولاية الفقيه في إيران: اختبار تاريخي لنظرية الحكم الديني

في خضم الحرب والأسئلة العابرة حول «اليوم التالي» في إيران، والبحث عن بديل من داخل النظام، تبرز قضية جوهرية تتعلق ببنية العقيدة الحاكمة نفسها. المشكلة الحقيقية تكمن في نخاع وعصب عقل وقلب النظام الإيراني، وليس فقط في أشخاصه.

السؤال المحوري: الشخص أم الفكرة؟

أحد أصعب الأسئلة التي تواجه المحللين هو: هل المشكلة في شخص المرشد الأعلى الذي غادر دنيانا، أم في فكرة الولاية الدينية شبه المعصومة التي تدير دولة ضخمة مثل إيران؟ الدستور الإيراني، بعد التعديلات التي أدخلت عليه صيف 1989 بعد أسابيع من وفاة الخميني، ينص بوضوح على أن السلطة الأعلى ليست لأي مسؤول منتخب مباشرة من الشعب، بل هي في يد الولي الفقيه.

نهاية هذه النظرية تعني نهاية حجر الزاوية في البناء كله، مما يطرح تساؤلات مصيرية: هل هذا ممكن؟ وهل يمكن لحرس النظام التفاوض عليه؟

الجذور التاريخية لنظرية ولاية الفقيه

ولدت هذه النظرية ضمن مخاض فكري طويل يمتد من العهد العباسي حتى اليوم. لفترة طويلة، رفض فقهاء وكبار الطائفة الإمامية الفعل السياسي العام منذ غياب الإمام الحادي عشر الإمام العسكري سنة 260 هجرية، اعتقاداً بأن العمل السياسي محظور في ظل غياب صاحب الزمان.

يذكر الباحث شفيق شقير أن أهم محطة عملية في العلاقة بين الفقيه والسلطان كانت مع المحقق علي الكركي (توفي 940 هـ) والشاه طهماسب الصفوي، الذي دعاه للمشاركة في الحكم ولقبه «نائب الإمام المهدي». رغم معارضة بعض العلماء مثل الشيخ إبراهيم القطيفي، نجح الكركي في غرس البذرة الأولى لفكرة ولاية الفقيه.

التطور النظري والممارسة المعاصرة

المحطة الثانية جاءت مع أحمد النراقي (توفي 1245 هـ)، الذي نصّب الفقيه في مركز السلطة من خلال نظرية ولاية الفقيه، مثبتاً له كل ما هو للنبي والإمام «إلا ما أخرجه الدليل». توقف البحث في هذه النظرية بالمعنى الذي أطلقه النراقي حتى جاء الخميني وأعاد إحياءها، حيث نجد تنظيراته مكثفة في كتابه «الحكومة الإسلامية».

هذه الولاية انتقلت من الخاصة (الأحكام الفقهية العادية) إلى الولاية العامة (السياسية) في مخاض طويل وصل بنا إلى حالة خامنئي، المرشد الثاني «ولي أمر المسلمين» كما تدعوه أدبيات ولاية الفقيه.

التحديات الراهنة والمعارضة الداخلية

اليوم، تواجه هذه الفكرة خطر الزوال مادياً (بعد رحيل خامنئي) ومعنوياً (بانهيار نظام الولاية). مع ذلك، كان هناك معارضون من داخل طبقة الفقهاء الشيعة في إيران لنسخة الولاية كما أرادها الخميني وخلفه خامنئي.

من أبرز المعارضين آية الله حسين منتظري، الذي دعا لتحديد فترة رئاسة المرشد الأعلى والدعوة لولاية منتخبة، بينما دعا آخرون لولاية «الفقهاء» وليس الفقيه الواحد. كل هذه العناصر تتعرّض اليوم لاختبار مصيري يحدد مستقبل النظام السياسي الإيراني.

في النهاية، القضية الجوهرية تبقى مرتبطة بنظرية النظام وليس أشخاصه، حيث أن أي تغيير حقيقي يتطلب إعادة النظر في الأسس الفكرية التي قام عليها الحكم في إيران لعقود.