حزب الله الإرهابي: بين وهم الحظر السياسي وضرورة التفكيك الكامل
حزب الله الإرهابي: بين وهم الحظر وضرورة التفكيك

حزب الله الإرهابي: بين وهم الحظر السياسي وضرورة التفكيك الكامل

عندما كان كاتو الأكبر يختم خطاباته في مجلس الشيوخ الروماني بعبارته الشهيرة "Carthago delenda est" أي "يجب أن تُدمَّر قرطاج"، لم يكن ذلك تعبيراً عن حقد شخصي، بل كان قناعة إستراتيجية عميقة بأن بقاء قرطاج كقوة عسكرية موازية لروما يمثل تهديداً وجودياً للدولة. لم يطالب بتنظيم وضعها أو حصر نشاطها، بل دعا بوضوح إلى تدميرها. اليوم، في لبنان، لا نحتاج إلى بلاغة لاستخلاص العبرة من هذه المقارنة التاريخية.

كيان مسلح خارج إطار الدولة

حزب الله ليس مجرد حزب خرج عن طاعة الدولة، بل هو كيان مسلّح نشأ خارج إطارها، وتمدد متغلباً عليها، وتغذى من دماء اللبنانيين قبل أن يستمد قوته من دعم الحرس الثوري الإيراني. منذ ثمانينيات القرن الماضي، عندما قرر هذا التنظيم قتل اللبنانيين واغتيال دولتهم ومصادرة قرارهم، لم يقدم طلب ترخيص من وزارة الداخلية، ولم ينتظر بياناً وزارياً يجيز له حمل السلاح، كما لم يستفتِ أحداً حين أعلن نفسه وصياً على قرار الحرب والسلم.

اليوم، يعلن رئيس الحكومة نواف سلام قرار "حظر النشاطات الأمنية والعسكرية" للحزب، مع الإبقاء عليه ككيان سياسي ضمن الأطر الدستورية. وكأن المشكلة كانت يوماً مشكلة أوراق ومدونات، لا مشكلة بنادق وعبوات ناسفة وسلاح كاتم للصوت. كما لو أن سلاح الحزب سينصهر بمجرد إصدار مجلس الوزراء بياناً ما، وكأن الحزب الذي خطف الدولة لسنوات سيخضع فجأة لقرار إداري.

قرار متأخر ومبتور

هذا القرار جاء متأخراً ومبتوراً، ولا يحاكي ذكاء اللبنانيين أو يقارب معاناتهم. آلاف العائلات التي غادرت منازلها في منتصف الليل رغماً عنها، هرباً من مغامرات الحزب وصواريخه، لا تحتاج إلى حظر نظري؛ إنها تحتاج إلى دولة وشعب يعترف بأن وجود ميليشيات عقائدية مرتبطة بإيران هو أصل البلاء.

الإبقاء على الحزب ككيان سياسي بعد "حظر نشاطه العسكري" هو أقرب إلى وهم قانوني. أي حزب هذا الذي يحتفظ بهيكليته، وقيادته، وشرعيته الشعبية، وشبكاته المالية، ثم يُطلب منه أن يُسلّم سلاحه طوعاً؟ هل سلّم سلاحه حين انسحبت إسرائيل عام 2000؟ أو بعد حرب تموز 2006؟ أو حينما جر لبنان إلى الانغماس في حروب سوريا واليمن والعراق؟

ذراع إيرانية مسلحة

من يُصدق أن بياناً وزارياً سيغير عقيدةً بُنيت على مبدأ "تصدير الثورة" لا على منطق الدستور اللبناني؟ الأخطر من ذلك أن هذا "الحظر" يساوي بين الضحية والجلاد، فهو يوحي بأن المسألة خلاف داخلي يمكن تسويته، لا تهديد أمني عابر للحدود. حزب الله ليس حزباً لبنانياً أخطأ في التقدير، بل هو ذراع إيرانية مسلحة تعمل ضمن مشروع إقليمي.

وطالما لم يُعلن بوضوح أن هذا الحزب هو تنظيم إرهابي خارج على الدولة، وطالما لم تُفكك بنيته بالكامل، فإن أي قرار قد يصدر يبقى حبراً على ورق. ثم إن إبقاء الحزب كحزب سياسي يعني المحافظة على قدرته على التعطيل والابتزاز من داخل المؤسسات. سيجلس في البرلمان، ويتحكم بالقرار، ويمنع أي مسار جدي لنزع سلاحه.

من "مقاومة" إلى دويلة

هكذا تحوّلت "المقاومة" إلى دويلة داخل الدولة، ثم إلى دولة تتفوق على الدولة. ومن يعتقد أن الفصل بين جناح عسكري وجناح سياسي ممكن، يتجاهل تجربة أربعة عقود تقريباً من التذاكي الجماعي. هذا هو الوجه الحقيقي لـ"حزب الله"، والذي يراهن على أن منظومة ارتبط اسمها باقتصاد المخدرات، وبالعنف المنهجي، وبالاغتيالات السياسية، يمكن أن تتصرف بعقلانية دولة.

الرهان على منطق من يتغذى على الفوضى، ويستمد شرعيته من سلاح خارج إطار الدولة، ليس تحليلاً إستراتيجياً، بل هروب من مواجهة الاستنتاج البديهي: هذه البنية لا تعيش إلا في ظل انهيار الدولة. حزب الله منظومة تأسست على تصفية الخصوم وخطف القرار الوطني، لن تتحول فجأةً إلى حزب مدني لأن مجلس الوزراء طالبها بذلك.

لا خلاص إلا بالمواجهة الصريحة

لا خلاص للبنان إلا بمواجهة هذا الكيان السياسي–الأمني مواجهةً صريحةً تتجاوز الشعارات إلى الفعل السيادي. تفكيك هذه المنظومة ليس طرحاً أيديولوجياً، بل شرط أساس لاستدامة الدولة نفسها. فالإبقاء عليها، ولو تحت مسمى سياسي، يعني القبول الضمني بأن الجمهورية مجرد إطار هش لسلطة فعلية تعمل خارجها.

أما التردد، أو الاختباء خلف دعوات "الواقعية"، فهو ليس بحكمة. إنه مساهمة صامتة في إطالة عمر المأساة. في لحظة كهذه، يصبح الهروب موقفاً سياسياً بحد ذاته، وموقفاً يدفع اللبنانيون ثمنه من أمنهم، واقتصادهم، ومستقبل أبنائهم.

حماية لبنان من الرد الإسرائيلي

إن إعلان الحزب تنظيماً إرهابياً ليس ترفاً لغوياً، بل خطوةً جوهريةً لحماية لبنان من الرد الإسرائيلي الدائم. إسرائيل لا تفرّق بين "جناح عسكري" و"جناح سياسي" حين تقصف. الرد يأتي على دولة لبنان كلها، لأن الدولة سمحت ببقاء هذا الكيان. وكل مرة يُطلق فيها صاروخ من الجنوب، يدفع اللبنانيون الثمن، لا قيادة الحزب المختبئة خلف حسابات إقليمية.

قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصراً بيد الدولة، نعم. لكن هذا لا يتحقق بإصدار بيان. بل يتحقق بتفكيك البنية التي صادرت هذا القرار منذ عقود، وباعتراف صريح بأن التجربة قد فشلت، وأن المساكنة مع السلاح غير الشرعي لم تجلب إلا الدمار والهجرة والانهيار الاقتصادي.

خاتمة: دروس من قرطاج

كلمات كاتو لم تكن دعوةً إلى الانتقام، بل إلى الحسم. ولبنان اليوم أمام لحظة مشابهة، إما أن نطالب صراحةً بوجوب تفكيك هذا الكيان المسلح سياسياً وأمنياً ومالياً، وإما أن نستمر في تدوير الزوايا حتى يُدمَّر ما تبقّى من الدولة. قرطاج لم تُهزم ببيان، هُزمت بقرار إستراتيجي واضح. ولبنان لن يُنقذ بحظر مبتور، بل بإعلان لا لبس فيه أن لا مكان بعد اليوم لميليشيات عقائدية داخل جمهورية تدعي السيادة.

وكما قال كاتو، وكما يجب أن نكرر نحن، في كل مجلس، وفي كل خطاب، وفي كل بيان: "يجب أن يُدمَّر هذا الكيان المسلح، إن أردنا للبنان أن يعيش".