لبنان على مفترق طرق تاريخي: حظر الأنشطة العسكرية لحزب الله
في خطوة سياسية مفصلية، اتخذ مجلس الوزراء اللبناني برئاسة الرئيس جوزيف عون قراراً تاريخياً بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـحزب الله، وذلك خلال جلسة عقدت يوم الإثنين. هذا القرار لم يكن رد فعل عابراً على حادثة أمنية معينة، بل يمثل تحولاً استراتيجياً في مواجهة مسار تصاعدي بدأ منذ اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024.
من الخطاب إلى التنفيذ: تحول في مسار الدولة
خلال الفترة الماضية، تعرضت معادلة الدولة اللبنانية لاختبارات مستمرة، مع تصاعد الخطابات التصعيدية من حزب الله والإيحاءات بأن السلاح خارج المؤسسات يشكل ضمانة للكيان. أمام هذا الواقع، وجدت الحكومة ورئيسها الفعلي دستورياً أمام خيارين حاسمين:
- تثبيت مرجعية الدولة عملياً وسيادتها الكاملة
- التسليم بتآكلها التدريجي وفقدان السيطرة
في هذا الإطار، يكتسب قرار مجلس الوزراء أهميته الاستثنائية، حيث يمثل للمرة الأولى اتخاذ حكومة لبنانية قراراً صريحاً بحظر النشاطات العسكرية والأمنية لحزب الله، وحصر دوره في الإطار السياسي الخاضع للقانون.
جرأة القرار وطبيعته الاستثنائية
جرأة هذا القرار لا تُقاس بمجرد عباراته، بل بطبيعته الجوهرية. فمجلس الوزراء، برئاسة الرئيس عون، لم يواجه حزباً سياسياً عادياً، بل واجه معادلة مسلحة رافقت الحياة السياسية اللبنانية لسنوات طويلة. تبني الحكومة رسمياً مبدأ حظر النشاطات العسكرية والأمنية خارج الدولة يعني إعادة ترسيم حدود السلطة بين الدولة وأي قوة أخرى.
هنا تحديداً يُعطى الرئيس حقه الكامل: لأنه اختار وضع عهده في موقع الاختبار الحقيقي، بدلاً من الاكتفاء بإدارة التوازنات الهشة والمساومات السياسية التقليدية.
اصطفاف سياسي واسع ودلالات السيادة
حصد القرار اصطفافاً سياسياً واسعاً داخل الحكومة وخارجها، مما يعكس إدراكاً جماعياً بأن ما جرى ليس مجرد خلافاً حزبياً عابراً، بل مسألة سيادة وطنية جوهرية. فمن دون مرجعية واحدة للسلاح، لا يمكن للدولة أن:
- تفاوض بشكل فعال مع المجتمع الدولي
- تطلب دعماً دولياً حقيقياً لمؤسساتها
- تدّعي قدرتها على حماية المواطنين من تداعيات الصراعات الإقليمية
من خلال هذا القرار التاريخي، تقول حكومة العهد للمجتمع الدولي إن لبنان الرسمي مستعد لتحمل التزاماته كاملة، بما في ذلك تنفيذ ما تعهد به في بيانه الوزاري بشأن حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم.
امتحان التنفيذ والتحديات المقبلة
لكن الأهمية التاريخية لا تُمنح سلفاً. قرار مجلس الوزراء يضع الدولة اللبنانية مجتمعة أمام امتحان التنفيذ العملي والدقيق. فإذا نجحت الحكومة في ترجمة هذا الموقف السياسي إلى خطوات عملية ملموسة، يكون الرئيس عون قد ثبّت موقع الدولة كمرجعية نهائية وحيدة. وإذا تعثّر التنفيذ أو تأخر، يتحول القرار إلى مجرد محطة سياسية عابرة في تاريخ لبنان المضطرب.
بهذا المعنى العميق، لم يكن ما صدر عن مجلس الوزراء مجرد بيان سياسي عادي، بل خياراً استراتيجياً تحمّل مسؤوليته رئيس الجمهورية شخصياً كرأس للدولة. لقد اختار أن يُقارب مسألة السلاح الحساسة من موقع الدستور والقانون، لا من موقع التسويات والمساومات المؤقتة. والتاريخ في لبنان نادراً ما يمنح فرصة كهذه مرتين، مما يجعل هذه اللحظة مفصلاً حاسماً في مسار البلاد.
