الندم في السياسة اللبنانية: حنين إلى ماضٍ مستحيل العودة
الندم في السياسة اللبنانية: حنين إلى ماضٍ مستحيل

الندم في السياسة اللبنانية: حنين إلى ماضٍ مستحيل العودة

في لغة اللبنانيين السياسية، تتردد تعابير لا تتوقف عن التكرار، مثل «استعادة الدولة» و«العودة إلى اتفاقية الهدنة» و«الرجوع إلى اتفاق الطائف»، وبدرجة أقل من الإجماع، التحسّر على «الاتفاقية اللبنانية - الإسرائيلية لانسحاب القوات» المعروفة باتفاقية «17 أيار». القاسم المشترك بين هذه التعابير هو إعلان الرغبة، وأحياناً الحماسة، لاسترجاع زمن وحالة سابقين لم يكتب لهما البقاء على قيد الحياة.

حنين إلى ماضٍ أفضل

من هذا «الحنين» يُستخلص أن كل ماضٍ كان أفضل من الحاضر الذي تلاه، وأن اللبنانيين لم يفعلوا، في ماضيهم ذاك، إلا الخطأ، لا سيما فيما يخص قراراتهم المتعلقة بأمور الحرب والسلام. فـ «استعادة الدولة» تعني الرجوع إلى ما قبل اندلاع الحرب الأهلية في 1975، وربما إلى ما قبل اتفاق القاهرة في 1969 الذي بدأ معه قضم سيادة الدولة. و«العودة إلى اتفاقية الهدنة» للعام 1949 معناها الانكفاء مجدداً إلى حالة غير حربية على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، فيما أهم ما يعنيه «الرجوع إلى اتفاق الطائف» للعام 1989 هو عدم استثناء أي ميليشيا من تسليم السلاح إلى الدولة. وبدوره، التحسّر على «17 أيار» مفاده أن اللبنانيين لا يستطيعون اليوم الحصول على ما حصلوا عليه حينذاك.

وهكذا، فإن الزمن السابق الذي يثير الرغبة، أو الحماسة، في العودة إليه هو الزمن ما قبل الحربي، وما قبل الميليشيوي بالتالي، حيث تحتكر الدولة وحدها أدوات العنف وتفرض على حدودها الدولية الهدوء والسكينة. لكن الخراب الذي تؤمل مغادرته ليس أطلالاً أحدثتها يد الأزمنة وأفعال الطبيعة، بل هو فعل ذاتي حر ارتكبه بشر بأسلحة رفعوها وأفكار حملوها وتنظيمات وأحزاب أنشأوها. ولأنه كذلك، باتت العودة عنه تنطوي على جرعة من الندم، وإن تولت المكابرة أحياناً إنكار الندم ومنحه تسميات أخرى.

الندم في الثقافة والأدب

إذا ذهبنا أبعد قليلاً من السياسة بمعناها الضيق والمباشر، نجد أن الندم على أفعال ذاتية يطال حالات وتجارب أعرض سبق للأديان القديمة والميثولوجيا والأدب أن تناولتها، محاولةً بذلك التنبيه إلى المسؤولية والنضج الإنسانيين وإلى طبائع الزمن وتحوّلاته. فمثلاً، كان «الابن الضال»، وفق الكتاب المقدس، شاباً بدد بالطيش ميراثه فانتهى به المطاف معدماً يرعى الخنازير، وهي مهنة كانت تعتبر مسيئة لصاحبها. هكذا استولى عليه البؤس وميل إلى التوبة والتواضع. بيد أن «الضال» ما لبث أن «عاد إلى رشده»، كما قال النص، معلناً: «يا أبي، أخطأت إلى السماء وإليك». فالأمر، إذاً، انتقل من إعلان الندم إلى التوبة، ومن التوبة إلى ترجمتها العملية التي عاد التائب بموجبها إلى بيت أهله.

لكن المسألة قد تكون أصعب وأشد استعصاء، حيث ينسد طريق الندم بحقيقة أن العالم المندوم عليه لم يعد موجوداً أصلاً، أو أن استعادته باتت من المستحيلات. وأصعب الأصعب هو ما نجده في «المقامر» – بطل رواية دوستويفسكي. فالراوي أليكسي إيفانوفيتش يدمّر نفسه مرة بعد أخرى بالمقامرة، لكن كل خسارة يُمنى بها ترفع وعيه بالعجز عن مغادرة الدوامة تلك، فلا يبقى من ندمه إلا عذابه النفسي. فهو، بعد الخسارة، ينتابه شعور بالخزي والاشمئزاز من نفسه التي يحس أنه أهانها وحط من كرامتها. إلا أنه أسير تورط لا يستطيع التحكم به والتغلب عليه. هكذا لا يجد ما يلجأ إليه إلا تعليل النفس بأنه لا بد أن يكسب في المرة المقبلة لأنه حتماً سوف يقامر بشكل أفضل. وعلى هذا النحو، فإن الندم الذي يظهر بعد جولة الخسارة لا يلبث أن يختفي قبل الجولة الثانية، وبين الجولتين يتمكن منه تدمير ذاته المأسورة بطاولة القمار.

الندم في الواقع اللبناني

ويذكر اللبنانيون أن زعيم «حزب الله» الراحل، حسن نصر الله، كان قد قال قبل عشرين سنة: «لو كنت أعلم»، مفصحاً عن ندمه على شنّه الحرب في 2006 بنتيجة خطفه جنديين إسرائيليين. بيد أن ذاك الندم لم يمنعه من تكرار الفعلة إياها مرةً بعد مرة. وهنا نقع على أسباب أخرى تجعل الندم، ما لم يقترن بمراجعات جذرية، عميقة وقاسية، لزوم ما لا يلزم. ذاك أن عدم تصفية الحساب مع مبادئ كسيادة الدولة، ورفض العنف، وعدم الانجرار وراء مصالح خارجية يستحيل التحكم بها، يجعل ذاك الندم مجرد كلام معسول يخفف خطأ النادم ويساعده على التنصل من المسؤولية.

ولأن كثيراً من الندم الذي يعرفه اللبنانيون ويعلنونه هو من هذا الصنف، تزداد العودات اللفظية إلى أمكنة صارت تستحيل العودة إليها، أو أن أصحابها لا يريدون فعلاً أن يُعاد إليها. فالأمر أشبه بنسق يتكرر ولا يُستخلص منه إلا الإكثار من إعلان الرغبة في العودة فيما الابن الضال ممعن في ضلاله. هذا التحليل يسلط الضوء على تعقيدات الندم في السياق اللبناني، حيث تبقى الكلمات دون أفعال، والحنين دون تغيير حقيقي.