إسقاط النظام الإيراني: مشروع مؤجل أم خطة قيد التنفيذ؟ تحليل عميق للمشهد الإقليمي
إسقاط النظام الإيراني: مشروع مؤجل أم خطة قيد التنفيذ؟

إسقاط النظام الإيراني: مشروع مؤجل أم خطة قيد التنفيذ؟

يطرح السؤال حول إسقاط النظام الإيراني نفسه بقوة في المشهد السياسي الحالي، حيث تقف إيران على حافة إعادة تشكيل كاملة. لم يعد النقاش يدور حول ما إذا كان النظام سيسقط، بل حول من سيدير لحظة التحول، ومن سيحدد شروطها، ومن سيدفع الثمن الباهظ. التاريخ الحديث يوضح أن الأنظمة لا تتغير فقط بسبب الثورات الداخلية، بل عندما تتداخل أزمات الداخل مع حسابات الخارج، مما يجعل ميزان الثقة يفقد قيمته أمام ضرورات التغيير.

الاختناق الداخلي والبحث عن البديل

لطالما اعتبرت الثقة بالدول الكبرى مثل أميركا وهماً سياسياً يجب تجنبه، خاصة في المجتمعات التي عانت من تدخلاتها. ومع ذلك، فإن الإدراك النظري لا يغير من واقع الاختناق الذي يعيشه المجتمع الإيراني. عندما تغلق السلطة كل أبواب الإصلاح، وتحاصر المجتمع بخطاب أمني وعقائدي، وتشدد قبضتها باسم مواجهة التهديدات الخارجية، يصبح الناس عالقين بين انسداد الأفق الداخلي وريبة عميقة من الخارج.

في هذه اللحظة الحاسمة، لم يعد سؤال الثقة هو المحور، بل تحول إلى سؤال البديل. عندما يغيب الأفق الداخلي، تتحول "المساعدة الخارجية" من خيار مبدئي يُناقش على مستوى القناعة إلى ملاذ اضطراري يُفرض على مستوى الضرورة، حتى لو كان محفوفاً بالمخاطر. الشعوب التي تُحاصر لفترات طويلة لا تبحث عن الحليف المثالي، بل عن ثغرة في الجدار، وعن كسر للحلقة المغلقة التي تدور فيها دون أمل.

استراتيجية القوى الكبرى: إدارة التوتر لا تفجيره

تدرك أميركا والدول الكبرى هذه المفارقة بعمق، وتعرف أن الثقة الشعبية ليست شرطاً للتحرك، وأن الرهان على الخارج قد ينشأ من الاختناق وليس من الاقتناع. وهذا يفسر نمط "الإيقاظ والإخماد" الذي يشهده الشارع الإيراني بين الحين والآخر: تحريك محسوب لموجات الاحتجاج، ثم تركها تنحسر في اللحظة المناسبة، ليس بدافع التعاطف مع مطالب الداخل، بل لجس نبض النظام واختبار قابلية المجتمع للاستمرار.

إنها سياسة إدارة التوتر بدلاً من تفجيره، واستثمار الأزمة بدلاً من إنهائها؛ بهدف إبقاء المشهد تحت السيطرة، دون السماح بانفجار يعيد رسم المعادلات خارج الحسابات المسبقة. وتعلم واشنطن وحلفاؤها أن أدوات التأثير تبقى فعالة ما دامت بنية الضغط قائمة.

تأثير العقوبات الاقتصادية على المجتمع الإيراني

العقوبات الاقتصادية، التي يُعلن أنها موجهة ضد النظام، تصيب المجتمع الإيراني في عمق حياته اليومية: العملة، الدواء، الغذاء، وفرص العمل. في الواقع العملي، غالباً ما يكون وقعها على الناس أشد من وقعها على السلطة، التي تعيد هندسة اقتصاد الحصار لصالح شبكاتها. وهكذا تتكون بنية هشاشة ممتدة، تجعل المجتمع في بحث دائم عن منقذ، حتى لو كان موضع ريبة.

في هذا السياق القاسي، يُدفع الإيرانيون نحو معادلة خانقة: إما القبول بالعيش تحت نظام شمولي يغذي شرعيته بخطاب أيديولوجي توسعي، ويطلب من المجتمع دفع كلفة مشروعه الإقليمي بالجوع والعوز، وإما التطلع إلى إنقاذ خارجي مع إدراك مسبق أنه إنقاذ مشروط، وأن من يمد اليد يملك أيضاً القدرة على التراجع أو الابتزاز.

مسار التغيير: الحرب أم الدبلوماسية؟

يبقى السؤال: هل سيكون التغيير في إيران عبر الحرب أم الدبلوماسية؟ يبدو أن ترامب، بدوافعه السياسية الداخلية ورغبته في صناعة إنجاز قابل للتسويق، يفضل صفقة تُقدم بوصفها سلاماً، حتى لو قامت على قاعدة الترهيب. ضغط أقصى، تهديد أعلى، ثم باب موارب للتفاوض.

وتقرأ إيران هذه الاستراتيجية بدقة، لذا تحاول ألا ترضخ لإملاءات واشنطن وتل أبيب دفعة واحدة، لأن الرضوخ الكامل يهدد سرديتها الداخلية وتماسكها السلطوي. غير أن مسار الحوارات قد يصطدم بجدار الرفض الإيراني إذا ظل سقف المطالب مرتفعاً حد الإذلال.

في المقابل، قد تجد الصفقة طريقها إذا مُنحت طهران "ضمانات نجاة" للنظام مقابل تنازلات مرحلية: تقليص أدوات النفوذ الإقليمي، ضبط السلوك على حدود لا تمس إسرائيل، وربما التضحية ببعض الأوراق الثقيلة لإنقاذ المركز. عندها لن يكون السؤال من انتصر؟ بل من نجح في تحويل الخسارة إلى رواية قابلة للحياة، ومن استطاع أن يمر من بوابة التحول بأقل كلفة ممكنة على مصالحه وصورته.

هكذا تُدار السياسة في الإقليم، لا بمنطق الثقة، بل بمنطق الضرورة؛ لا بمنطق الشعارات، بل بمنطق موازين القوة؛ ولا بمنطق الشعوب وحدها، بل بمنطق من يملك القدرة على تحويل أوجاعها إلى ورقة تفاوض.