خطاب حالة الاتحاد: بين الاستعراض الزمني والفرز الرمزي في المشهد السياسي الأمريكي
في عالم السياسة، كما في المسرح، قد يطول العرض حتى ينسى المتفرج الحكاية، ويظل مشدوداً إلى الضجيج. هكذا جاء خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، متجاوزاً تسعين دقيقة من الزمن، متحدياً المعدلات التقليدية لهذه الخطابات التي تدور غالباً حول ساعة واحدة. تحول الزمن نفسه إلى أداة استعراض، حيث بدا الطول حجة في ذاته، وكأن الدقائق يمكن أن تتحول إلى دليل إنجاز ملموس.
الاقتصاد: تحويل الاتجاهات الطويلة إلى إنجازات لحظية
لم يكن خطاباً يُقاس بما قال، بقدر ما يُقاس بعدد المرات التي توقف فيها لالتقاط التصفيق، وعدد الوقفات التي صُممت سلفاً لتُنتج استجابة عاطفية بدلاً من التفكير النقدي. منذ افتتاحه، استند الخطاب إلى سيل من الأرقام: انخفاض التضخم، ارتفاع التوظيف، عودة المصانع، وتشغيل عشرات الآلاف من الشركات. قدمت هذه الأرقام بوصفها حقائق نهائية، لا مؤشرات قابلة للتأويل أو التحليل الدقيق.
لكن الاقتصاد، بطبيعته المعقدة، لا يُقرأ باللقطات المجتزأة أو العبارات المبسطة. فتراجع التضخم، على سبيل المثال، لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار، بل تباطؤ ارتفاعها، وهي نتيجة شاركت في صناعتها سياسات نقدية معقدة لا تُنسب إلى إدارة بعينها. أما سوق العمل التي جرى الاحتفاء بها، فهي استمرار لمسار بدأ قبل سنوات، منذ عهد ترامب الأول إبان الجائحة، تحكمه دورات الاقتصاد الكلي أكثر مما تصنعه الخطب الرئاسية أو الوعود السياسية.
هنا تتجلى المغالطة الكلاسيكية في الخطاب: تحويل الاتجاهات الاقتصادية الطويلة إلى إنجازات لحظية، واستخدام الإحصاءات بوصفها أداة إقناع جماهيري، لا أداة تفسير علمي أو تحليل موضوعي. لقد بدا المشهد أقرب إلى مهرجان تعبوي منه إلى تقليد دستوري عريق، حيث تحول الإيقاع السريع إلى بديل من المضمون العميق، والضجيج المصطنع إلى ستار يحجب الأسئلة الصعبة والمطالب الملحة.
الاجتماع السياسي: إعادة رسم حدود الانتماء والهوية
غير أن المفارقة الأشد حدة في الخطاب لم تكن في الجانب الاقتصادي، بل في البعد الاجتماعي والسياسي. حينما استحضر الخطاب مجتمعات مهاجرة بعينها، وتوقف عند الصوماليين في مينيسوتا بحضور النائبة الديموقراطية إلهان عمر، لم يكن ذلك توصيفاً ديموغرافياً بريئاً أو تحليلاً موضوعياً، بل إعادة رسم خفية لحدود الانتماء والمواطنة في المجتمع الأمريكي.
فالتكرار المقصود للإشارة إلى مهاجرين من أصول مكسيكية أو أفريقية، مقروناً بلغة توحي بالريبة أو العبء، يصنع تدريجياً ما يمكن تسميته "مواطنة تراتبية": مواطن أصيل وآخر طارئ، مواطن كامل وآخر قيد الاختبار أو المراجعة. وهنا يتحول خطاب الاتحاد — الذي يفترض دستورياً أن يجمع ويوحد — إلى خطاب فرز رمزي يعمق الفوارق داخل النسيج الاجتماعي، ويخلق انقسامات جديدة بدلاً من سد الفجوات القديمة.
هذا النوع من الاستدعاء الانتقائي لا يهدف إلى وصف الواقع كما هو، بل إلى تحويل قضية الهجرة من مسألة سياسات عامة واقتصادية إلى قضية هوية ثقافية وأمن وجودي. لقد أصبح الخطاب أداة لتعزيز الانقسامات بدلاً من بناء الجسور، مما يهدد الوحدة الوطنية في بلد تأسس على التنوع والانفتاح.
القيم الأمريكية: بين الخطاب الرمزي والواقع المتغير
ولعل أكثر ما استوقف المحللين في هذا الخطاب هو الحديث المتكرر عن صعود القيم الأمريكية واستعادتها بعد عام من بداية عهد ترامب. فبين الحرية الفردية، الدستور، وسيادة القانون، تبرز أسئلة عميقة: كيف يستقيم الدفاع عن تلك القيم مع خطاب يوحي بأن الحفاظ عليها يمرّ عبر التضييق عليها أو تقييدها؟ وكيف يُقنع العالم بأن حماية التجربة الأمريكية تستدعي تمزيق بعض مرتكزاتها الرمزية بحجّة جعل أميركا "عظيمة مجدداً"؟
إن الولايات المتحدة، في جوهر فكرتها التاريخية والتأسيسية، لم تُبن على نقاء عرقي ولا على وحدة ثقافية صلبة أو متجانسة، بل على عقد دستوري يجعل الولاء للنظام والقانون بديلاً من الدم واللغة والعرق. دولة بلا لغة رسمية جامعة، ولا دين ملزِم أو مهيمن، وجدت وحدتها في النص الدستوري لا في الأصل العرقي أو الثقافي الواحد.
لذلك بدا الحديث المتكرر عن "استعادة القيم الأمريكية" ملتبساً وغامضاً؛ فالقيم التي نشأت على الحرية الفردية، وسيادة الدستور، والانفتاح على المهاجرين والمختلفين، لا يمكن أن تستعاد عبر خطاب يلمح إلى الخوف من الاختلاف أو يُحمل التنوّع مسؤولية القلق الوطني أو التحديات الاقتصادية. ليست المشكلة في أن يختلف رئيس مع تقاليد سابقة أو سياسات قديمة، فالاختلاف روح السياسة والتجديد، بل في أن يُعاد تعريف المبادئ التأسيسية عبر لغة انفعالية تُقدم الخوف بديلاً من الثقة، والانكفاء بديلاً من المثال الانفتاحي.
الخاتمة: من عقد مفتوح إلى رواية سياسية مغلقة
لقد بدا الخطاب طويلاً كخطبة في ساحة عامة، لا كرسالة إلى أمة موحدة؛ حافلاً بالتصفيق المصطنع، فقيراً إلى التأمل العميق؛ مشغولاً بإثبات القوة والهيمنة، غافلاً عن طمأنة الفكرة التي قامت عليها البلاد. وهكذا، ليست الخطورة في طول الخطاب أو حدة عباراته أو لغته الانفعالية، بل في التحول الجوهري الذي يكشفه: انتقال فكرة الاتحاد من كونها عقداً مفتوحاً يتسع للاختلاف والتنوع، إلى رواية سياسية مغلقة تبحث عمن يستحق الدخول فيه أو يستحق لقب المواطن الكامل.
عند تلك اللحظة الحرجة، لا يصبح السؤال المركزي كيف ستُجعل أميركا عظيمة مجدداً، بل: أي أميركا هي التي يُراد إعادتها أو استعادتها؟ أميركا الانفتاح والتنوع، أم أميركا الانكفاء والفرز؟ هذا هو التحدي الحقيقي الذي يطرحه خطاب حالة الاتحاد، متجاوزاً الزمن الطويل والضجيج العالي إلى صميم الهوية الوطنية في عصر التحولات الكبرى.