من نهرو إلى مودي: كيف تحولت الهند من دعم فلسطين إلى شراكة استراتيجية مع إسرائيل؟
الهند: من دعم فلسطين إلى شراكة استراتيجية مع إسرائيل

من نهرو إلى مودي: كيف تحولت الهند من دعم فلسطين إلى شراكة استراتيجية مع إسرائيل؟

عندما أعلن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، خلال زيارته الأخيرة لإسرائيل في 25 فبراير 2026، وقوف بلاده "بثبات" إلى جانب إسرائيل، أحدث ذلك صدمة في الأوساط العربية. فالهند، التي كانت لعقود من أبرز المدافعين عن الحقوق الفلسطينية في الأمم المتحدة، تحولت اليوم إلى شريك استراتيجي لإسرائيل في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والاستخبارات. هذا التحول ليس مفاجئًا بل هو نتاج تراكمات تاريخية وأسباب عميقة تعكس انتقال الهند من دولة أيديولوجية إلى قوة براغماتية تسعى لتعظيم مصالحها.

الإرث التاريخي: نهرو وحركة عدم الانحياز

بعد الاستقلال، قاد رئيس الوزراء الأول جواهر لال نهرو سياسة خارجية قائمة على دعم حركات التحرر ومناهضة الاستعمار، مما انعكس في موقف قوي داعم للقضية الفلسطينية. جاء ذلك ضمن رؤية أوسع مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر والرئيس اليوغوسلافي جوزيف بروز تيتو في إطار حركة عدم الانحياز، التي سعت لبناء كتلة سياسية مستقلة خلال الحرب الباردة. لم يكن هذا الموقف أخلاقيًا فقط، بل استند إلى حسابات واقعية مثل اعتماد الهند على النفط العربي، ووجود أقلية مسلمة ضخمة داخلها، وتحالفها مع الاتحاد السوفيتي.

عوامل التحول: نهاية الحرب الباردة وصعود القومية الهندوسية

بدأ التحول الحقيقي مع نهاية الحرب الباردة، حيث شكل انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 زلزالًا استراتيجيًا للهند، التي فقدت حليفها الرئيسي. تزامن ذلك مع أزمة اقتصادية حادة، مما دفع نيودلهي لإعادة صياغة سياستها الخارجية والاقتصادية، فتبنت إصلاحات ليبرالية وأقامت علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل عام 1992. ترافق هذا مع صعود التيار القومي الهندوسي إلى السلطة في عهد مودي، حيث رأت بعض النخب تشابهًا بين تجربة الدولة القومية اليهودية والقومية الهندوسية، مع تعزيز التعاون الأمني ضد تهديدات مشتركة مثل الإرهاب العابر للحدود.

مظاهر الشراكة الاستراتيجية: المصالح الجيوستراتيجية والتحالفات الجديدة

اليوم، الهند دولة نووية وخامس أكبر اقتصاد عالمي، مما دفعها لإعادة صياغة تحالفاتها وفق مصالحها. يظهر التقارب مع إسرائيل في:

  • الشراكة الدفاعية والأمنية: أصبحت الهند أكبر مستورد للسلاح الإسرائيلي، حيث استحوذت على نحو 41٪ من صادرات السلاح الإسرائيلية بين 2017 و2021، مع تركيز على تكنولوجيا متقدمة مثل صواريخ "باراك-8" وأنظمة الرادار.
  • الشراكة الاقتصادية والتكنولوجية: ارتفع حجم التجارة الثنائية من أقل من 200 مليون دولار في التسعينيات إلى أكثر من 10 مليارات دولار سنويًا، مع تعاون في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والزراعة المتقدمة.

تحولت الهند من منتقد لإسرائيل إلى صوت محايد أو متعاطف في المحافل الدولية، مع إدارة توازن دقيق مع العالم العربي، حيث تستورد الطاقة من دول الخليج ويعمل ملايين الهنود في المنطقة العربية.

خاتمة: نهاية الأيديولوجيا وانتصار المصالح

يؤكد هذا التحول انتقال الهند من تحالف قائم على مبادئ التحرر إلى تحالفات براغماتية تركز على المصالح القومية والتكنولوجيا والأمن. كما قال هنري كيسنجر، "إن الدول ليس لها أصدقاء دائمون أو أعداء دائمون، بل مصالح دائمة"، مما يعكس واقعية السياسة الدولية في عالم سريع التغير.