تطور مفهوم العدالة السياسية: من القاضي الفرد إلى النظام المؤسسي الشامل
تطور مفهوم العدالة السياسية: من الفرد إلى النظام

تطور مفهوم العدالة السياسية عبر العصور

يُعد مفهوم العدالة من المفاهيم المركزية في التراث العربي، حيث كان يركز في الماضي على عدالة القاضي في إصدار الأحكام وعدالة الحاكم في المساواة بين الرعية. هذه الأفكار، على بساطتها النسبية، تجسدت في سيادة القانون والمساواة كجوهر للعدالة.

من العدالة الفردية إلى العدالة المؤسسية

لم يعد العالم بسيطاً كما كان في الماضي، حيث لم يعد القاضي يصدر أحكامه بناءً على كلام الخصمين فقط، ولم يعد الحاكم يدير البلاد من ديوانه وحده. بدلاً من ذلك، يعتمد النظامان القضائي والإداري اليوم على منظومة القضاء وجهاز الدولة بأكمله، الذي أصبح أكبر منظمة في أي بلد.

هذا التحول أدى إلى أن محور مفهوم العدالة في العصر الحديث لم يعد شخص القاضي أو الحاكم، بل سلامة النظام القانوني وطريقة ممارسة السلطة وتنفيذ السياسات والأحكام. يُطلق على هذا المفهوم الجديد «العدالة الإجرائية»، والتي تعني توافق الإجراءات الإدارية مع معايير العدالة.

العوامل الأساسية لتحقيق العدالة

يطرح هذا التطور سؤالاً مشروعاً عن مفهوم العدالة المقصود، خاصة مع تعدد تفسيراتها بين الفلاسفة وعامة الناس. في هذا السياق، تبرز ثلاثة عوامل حاسمة عند النقاش في موضوع العدالة، لا سيما في الإطارين السياسي والاجتماعي:

  • العامل الأول: وجود نظام اجتماعي متوازن ونظام إداري قادر على تنفيذ التزاماته، أو ما يُسمى «مجتمع حسن التنظيم» حسب تسمية جون رولز.
  • العامل الثاني: توفر مستوى معقول من مصادر العيش يكفي جميع السكان.
  • العامل الثالث: السلام الاجتماعي، بما في ذلك سيادة القانون وغياب الغزو الخارجي أو الحروب الأهلية أو الكوارث الطبيعية.

عند توفر هذه العوامل، التي تتوفر في معظم البلدان اليوم، يمكن إقامة العدل من خلال وضع قوانين وسياسات تحول النظام العام إلى نظام عادل.

من المساواة إلى العدالة التوزيعية

على الرغم من تعدد مفاهيم العدالة، إلا أنها جميعاً تنطلق من قاعدة المساواة بين الناس، ثم تضيف أو تحذف عناصر لتلبية مطالب موازية. على سبيل المثال، قيمة التكافل تعني مساعدة الشرائح العاجزة، حتى لو تطلب ذلك تمييزاً إيجابياً، كما في حالة المرضى الذين يحصلون على علاج مكلف لا يحصل عليه الأصحاء، أو الأطفال الذين يُنفق عليهم أكثر من البالغين العاملين.

هذا يوضح أن العدالة تعديل على قاعدة المساواة وليست بديلاً عنها. فالمساواة هنا تعني توزيع الإمكانات المادية مثل الثروة، وفتح الباب للجميع للوصول إلى الوظائف والمعلومات والمكانة الاجتماعية، دون أن يعني ذلك توزيع المال مباشرةً، بل جعل النظام الاجتماعي والاقتصادي مفتوحاً ومولداً للفرص.

من خلال هذه العتبة، يجتهد الناس ويتنافسون، فيحصل بعضهم على الكثير بينما يحصل آخرون على القليل، وهذا هو التحقق المنطقي لمفهوم «العدالة التوزيعية»، التي تُعد جوهر عمل الدولة وغايتها الكبرى في العصر الحديث.