اقتصاد العناوين الفضائية: كيف تتحول الألقاب الإعلامية إلى سلعة رخيصة في المشهد العربي؟
في عالم البرامج الحوارية الجادة، يُفترض أن يكون النقاش العام فضاءً معرفياً يهدف إلى فهم الواقع وتقييم الخيارات العامة، وليس مجرد ساحة للاستعراض. ومع ذلك، شهد جزء كبير من المشهد الفضائي العربي، وخاصة في العراق، تحولاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة نحو ما يُعرف بـ اقتصاد العناوين، حيث تُباع الألقاب وتُشترى كبدائل سريعة للخبرة والتمثيل الحقيقي.
الألقاب الملمعة: وصفات مُعلبة تفتقر للتحقق المهني
يتم تقديم بعض المتصدرين في وسائل الإعلام بألقاب مُعلبة وملتبسة، مثل عضو الحزب الفلاني، قيادي في الحزب الفلاني، محلل استراتيجي، أو خبير عسكري وأمني. هذه المسميات الملمعة غالباً ما تفتقر إلى أي رصيد علمي أو تحقق مهني، مما يحول الضيف من صوت يمثل مؤسسة أو معرفة إلى صوت يعبر عن حاجته الشخصية ولهاثه وراء الطشّة وتسول المشهد الإعلامي.
الفضائيات المهنية مقابل الفضائيات الموجهة دعائياً
تتعامل الفضائيات المهنية المحترمة مع اختيار الضيوف كقرار تحريري يخضع للمساءلة، حيث تُدقق في الخلفية العلمية والعملية للضيف، وتتحقق من دقة العنوان المعروض على الشاشة ومدى صلته بموضوع الحلقة. كما تميز هذه الفضائيات بين الرأي والمعلومة، وتحرص على أن يكون تعدد الأصوات مصحوباً بتعدد في الخبرات القابلة للفحص، وليس مجرد تعدد في الانفعالات.
في المقابل، تميل الفضائيات الموجهة دعائياً، خاصة تلك التي تحمل مشاريع طائفية أو عنصرية أو اقتصادية، إلى استدعاء أصحاب العناوين الهشة. هذا النهج يحقق هدفين رئيسيين: منح البرنامج مظهراً شكلياً من التمثيل، وتمكين تمرير رسائل جاهزة دون الالتزام بمعايير التحقق أو حدود المسؤولية.
إساءة استخدام صيغ الألقاب: عضو الحزب والقيادي
من أكثر الصيغ استخداماً وإساءة في هذا السياق هي عبارات مثل عضو الحزب الفلاني أو قيادي في الحزب الفلاني. عندما يُستضاف شخص ضعيف الأداء أو ركيك الحجة ويُقدم على أنه قيادي، فإن الضرر لا يقتصر على الفرد وحده، بل يمتد إلى الحزب الذي أُلصقت به الصفة، وهو ما تستهدفه القناة المعنية في كثير من الأحيان.
المفارقة هنا أن أي حزب منظم يمتلك عادةً ناطقاً رسمياً أو مؤسسات إعلامية مفوضة للتعبير عن توجهاته، مما يثير تساؤلات مشروعة حول المهنية: لماذا يتم تجاوز الناطق المخول لصالح نماذج هشة؟ في كثير من الحالات، تُستخدم هذه الصيغة لتحقيق غايات تسقيطية، مثل توجيه اتهام ضمني للحزب عبر تقديم صورة كاريكاتورية عنه، أو إثارة خصومات اجتماعية وسياسية تُقدم لاحقاً على أنها مواقف ممثلي الحزب.
الالتباس حول ألقاب المحلل والخبير الاستراتيجي
يزداد الالتباس عند استخدام ألقاب مثل المحلل الاستراتيجي أو الخبير الاستراتيجي. هذه الألقاب ليست مجرد أوصاف إنشائية، بل لها تعريف أكاديمي ومؤشرات موضوعية تشمل:
- تكوين علمي مناسب في مجالات مثل السياسة العامة والعلاقات الدولية.
- معرفة منهجية بأدوات التحليل في الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع السياسي.
- إنتاج بحثي أو خبرة موثقة في مؤسسات بحثية أو مراكز دراسات.
- سجل من الأعمال القابلة للتقييم والنقد.
حتى الرتبة العسكرية السابقة، مهما كانت محترمة، لا تمنح تلقائياً صفة خبير استراتيجي، حيث أن الخبرة العملياتية قد تكون قيمة مضافة فقط إذا رافقتها أدوات التحليل المناسبة. ومع ذلك، نرى أحياناً ضيوفاً يفتقرون إلى أبجديات السياسة أو قواعد قراءة الحدث، ويُقدمون على أنهم خبراء، مما يحول التحليل إلى انطباعات وشعارات تنتج تشويشاً بدلاً من الفهم.
تأثيرات عميقة على النقاش العام والمجتمع
يشجع هذا النمط من الاستضافات على الارتزاق الإعلامي، وينتج سوقاً تفضل الصراخ على الحجة، وتستبدل التحقق بالإثارة. كما يساهم في تسطيح العقل العام وإشاعة البذاءة والكراهية والعدوانية. عندما يتحول الإعلام إلى دكاكين تُدار بمنطق التجارة الرخيصة وتمويل موجَّه من جهات تبحث عن النفوذ بدلاً من الحقيقة، تتراجع المعرفة لصالح التعبئة، ويُستبدل النقاش العام بهويات متصارعة وصور نمطية تُنتج وتُعاد تدويرها يومياً.
في النهاية، يهدد اقتصاد العناوين الفضائية جودة النقاش العام ويفرض تحديات كبيرة على المهنية الإعلامية في العالم العربي، مما يتطلب جهوداً متواصلة لتعزيز معايير التحقق والمساءلة.