تهويل الجبهة الشمالية: بين الحقائق السياسية والمخاوف الأمنية
في ظل تصاعد وتيرة التهديدات الإسرائيلية لضرب ما تبقى من أهداف لدى حزب الله، بالتزامن مع التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، تبرز خشية في أوساط سياسية مراقبة من حرف الأنظار عن الجبهة الجنوبية وتوجيهها نحو الشمال، وتحديداً على الحدود اللبنانية السورية. هذا التوجيه يطرح تساؤلات حول مصداقية هذه المخاوف وأهدافها الخفية.
اتهامات متبادلة وتقارير مثيرة للقلق
بدا أن إعلان النظام السوري عن تورط حزب الله وعلاقته بالخلية الإرهابية التي نفذت مجموعة عمليات في منطقة المزة، شكل حافزاً للحزب للرد على تلك الاتهامات. حيث اتهم الحزب النظام السوري بتحركات عسكرية ناشطة على طول الحدود مع لبنان، تشير إلى استعدادات وجاهزية للتدخل لفتح هذه الجبهة بموازاة الجبهة الجنوبية، إذا بدأت إسرائيل عمليات أو اختراقات داخل الحدود اللبنانية.
وقد ترافقت إثارة هذه الهواجس مع تقرير نشره المرصد السوري لحقوق الإنسان، وكشف فيه عن حالة من الاستنفار وتغير ملحوظ في خريطة الانتشار العسكري السوري في ريف حمص والقلمون، وانتشار عناصر أجانب من جنسيات آسيوية في مدينة القصير. إلا أن هذه المخاوف تم احتواؤها بعد التوضيحات التي كشفتها وزارة الدفاع السورية لصحيفة النهار قبل أيام.
توضيحات رسمية وتأكيدات على التنسيق
نفت وزارة الدفاع السورية ما يروج له عن تحركات غير اعتيادية لقوات حرس الحدود في المناطق المنتشرة على امتداد الحدود. وأشارت إلى أن قوات حرس الحدود تقوم بمهامها الاعتيادية لضبط الحدود ومنع عمليات التسلل والتهريب، وأن هذا العمل هو أداء يومي مستمر لا يرتبط بظروف طارئة أو إجراءات غير مسبوقة.
وأكدت الوزارة أن التنسيق العالي المستوى يجري مع الجيش اللبناني للتعامل مع أي طارئ، ونبهت إلى ضرورة عدم الانجرار وراء توصيفات إعلامية قد تخرج الأمور عن سياقها المهني. يصر الجانب السوري دائماً على طمأنة لبنان حيال إمساكه بالحدود بين البلدين، والتأكيد على التنسيق الكامل مع الجيش اللبناني، مع تكرار التشديد على حرص الرئيس السوري على أفضل العلاقات مع لبنان، وعلى ضرورة ضبط الحدود لما فيه المصلحة المشتركة لكلا البلدين.
مصادر لبنانية تطمئن وتوجه الاتهامات
في هذا السياق، طمأنت مصادر عسكرية لبنانية إلى الأوضاع الحدودية، مشيرة إلى أنه جرى استطلاع دقيق للمنطقة مع القوى الميدانية، ولم تسجل أي حركة غير طبيعية أو وجود لعناصر من جنسيات أجنبية. وكشفت أن الانتشار على الحدود يعود إما إلى حرس الحدود أو عناصر الأمن العام السوري وصولاً إلى مناطق داخل الحدود، بعدما سحبت كل المظاهر المسلحة من خارج القوى الشرعية.
وفي لبنان أيضاً، وتحديداً في الشمال، تقلل مصادر سياسية شمالية من أهمية ما يجري تداوله، موجهة أصابع الاتهام نحو حزب الله. وتضع هذه المصادر الحزب في خانة التهويل الذي يمارسه لصرف الأنظار عن جبهة الجنوب أولاً، ولإبقاء النقاش مفتوحاً حول الخطر الإسلامي المتطرف والداعشي على لبنان من بوابته الشمالية، على نحو يبرر استمرار الحاجة إلى سلاحه، وجاهزيته لمواجهة أي اختراقات.
تحليل أعمق للدوافع والتداعيات
قالت المصادر السياسية الشمالية إن سوريا لا تزال منشغلة بترتيب بيتها الداخلي وتحتاج إلى وقت لإنجاز ذلك، وأي أنباء عن تحركات خارج السياق الطبيعي تؤثر على مسار العلاقات التي يسعى الجانبان اللبناني والسوري لإعادتها إلى طبيعتها. ولم تستبعد أن تستمر عمليات التهويل بعدما سقطت حجة الحزب في الدفاع عن سلاحه في وجه إسرائيل.
ودعت هذه المصادر اللبنانيين إلى الوعي والالتزام بما يصدر عن الجيش والقوى الشرعية، منعاً لأي استدراج أو انزلاق يقحم لبنان في شؤون لا تعنيه. هذا التحليل يسلط الضوء على تعقيدات المشهد السياسي والأمني في المنطقة، حيث تتداخل المصالح والتكتيكات لخلق واقع قد يكون بعيداً عن الحقائق الميدانية.