أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساء أول من أمس تمديد الهدنة مع إيران وفتح المجال أمام الوسيط الباكستاني لتقديم مقترح إيران، على أن تنتهي المناقشات إما بالموافقة أو الرفض، مع بقاء الجيش الأميركي محاصراً للموانئ الإيرانية.
تصريحات متضاربة من المسؤولين الإيرانيين
ما زالت إيران تراوح مكانها بتصريحات تصعيدية متناقضة عبر بعض مسؤوليها. فوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي صرح بأن الحصار "عمل حربي، وبالتالي انتهاك لوقف إطلاق النار". فيما قال مهدي محمدي، مستشار رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، إن "استمرار الحصار لا يختلف عن القصف الجوي، ويجب الرد عليه عسكرياً". وبعد ساعات من هذا التصريح، نقلت وكالة "تسنيم" التابعة للحرس الثوري عن مسؤول في البرلمان قوله: "إن لقاليباف مستشارين في المجالات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ويستفيد من آرائهم بشكل دائم، إلا أن آراء هؤلاء المستشارين لا تعني بالضرورة أنها تمثل موقف قاليباف الرسمي". وقبل ذلك قالت فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، إن "طهران لا تسعى للاستسلام، لكنها مستعدة لمفاوضات بشرط الاحترام".
تعدد مراكز القوة في النظام الإيراني
يتضح أن إيران اليوم لا تُدار كنظام تقليدي بمركز واحد واضح، بل عبر مراكز قوة متداخلة، يتقدمها الحرس الثوري الذي تحول من جهاز عسكري إلى لاعب حاسم سياسياً وأمنياً واقتصادياً. هذا التعدد في الرؤوس لا يعني تعدد الاتجاهات، بل هو وحدة في العقيدة واختلاف في الأسلوب.
النصوص المؤسسية والعقيدة التوسعية
العقيدة التي وضع الخميني نصها الدستوري بعد ثورة 1979 لا تنظم العلاقة بين الدولة والمجتمع فحسب، بل تتجاوز حدود الدولة عبر ما يسمى "تصدير الثورة". هذه النصوص ليست تفصيلاً ثانوياً، بل تعبير مباشر عن طبيعة المشروع. فحين يُدرج "استمرار الثورة في الداخل والخارج" كجزء من الإطار، يصبح التمدد هدفاً وغاية. وحين تُربط السياسة الخارجية بـ"تصدير الثورة" ودعم الحركات المرتبطة بها، يتحول النفوذ الإقليمي إلى التزام مؤسسي، لا مجرد أداة في وقت الحاجة.
كما أشار الأستاذ عبد الرحمن الراشد في مقاله المنشور في هذه الصحيفة بعنوان "من وقف للحرب إلى نهاية المحور؟"، فإن المواجهات الأخيرة وضعت إيران أمام اختبار غير مسبوق. المعركة ليست صراعاً على التوازن أو النفوذ في سوريا أو لبنان، بل كانت حرباً وجودية، وكان النظام يصارع من أجل البقاء. القيادات الإيرانية، في ظل غياب المرشد مجتبى خامنئي، كانت تنشد ضمانات للحفاظ على النظام في وقت التغيير الاستراتيجي.
ثبات المسار رغم تعدد القرار
تعدد مراكز القرار داخل إيران، وعلى رأسها الحرس الثوري، لا يُنتج توازناً يفتح باب التغيير، بل يعزز ثبات المسار. هذه المراكز جميعها تستند إلى المرجعية نفسها، والاختلاف بينها يبقى تكتيكياً لا يمس الجوهر. قد تختلف في إدارة التوقيت أو مستوى التصعيد، لكنها لا تختلف في الهدف النهائي. التجارب السابقة مع النظام الإيراني خلال العقود الخمسة الماضية أظهرت أن التفاوض يُستخدم أداة إدارة، وليس مدخلاً لتغيير جذري في عقلية النظام. الاتفاقات السابقة كانت محاولة لضبط السلوك لا تغيير العقيدة.
التحولات الدولية والصراع الداخلي
كشفت الأحداث الأخيرة أنه لم تعد هناك مساحة كبيرة أمام السلوك الإيراني بوصفه مجرد رد فعل. النظام يدرك الآن حجم التحول الدولي لكنه لم يحسم خياره. هناك محاولة لتخفيف الضغوط عبر التهدئة والتفاوض، يقابلها تمسك واضح بالبنية الفكرية والمؤسسية التي أنتجت الأزمة. هذا التناقض يعكس صراعاً داخلياً بين ضرورات البقاء ومتطلبات العقيدة، لكنه حتى الآن لم يُحسم لصالح تغيير حقيقي.
السؤال الجوهري: من يملك القدرة على إعادة تعريف المسار؟
السؤال لم يعد يتعلق بما إذا كانت إيران ستقبل التفاوض وتغير سلوكها، بل بمن يملك القدرة على إعادة تعريف هذا المسار والسلوك. ما دامت موازين القوة داخل النظام الإيراني ما زالت ترتكز إلى عقيدة توسعية، تبقى احتمالات التحول محدودة لكنها واردة.
في المحصلة، لا يمكن فصل السلوك الإيراني عن نصوص المؤسسة. أي حديث عن تحول حقيقي في إيران يظل مرتبطاً بسؤال واحد: هل هناك استعداد من القيادات الإيرانية لمراجعة النصوص أو تعديلها؟ لأنه ما لم تتغير العقلية والنص، لن يتغير السلوك.



