الكورد في أوطانهم: عقود من القمع والإنكار في مواجهة الحقوق القومية
تكشف هذه المقالة عن معاناة الشعب الكوردي في أجزاء كردستان الأربعة، حيث حوّلت سياسات القمع والإنكار حقوقهم القومية إلى صراع طويل مع أنظمة رفضت التعايش والاعتراف. منذ أكثر من 150 سنة، تتعامل الأنظمة الحاكمة في هذه المناطق مع الحقوق القومية الكوردية بسياسة الحديد والنار والقمع السلطوي، بل وتنكر وجود هوية قومية خاصة بهذا الشعب.
السياسات العنصرية والحروب المتتالية
نتيجة لهذه السياسة العنصرية، شنت هذه الأنظمة العديد من الحروب المتتالية ضد الثوار الكورد في جميع أجزاء كوردستان. وصلت حدتها في بعض الأحيان إلى استخدام الأسلحة المحرمة دوليًا وارتكاب جرائم الإبادة البشرية، مما يسلط الضوء على عمق الأزمة.
تركيا: من العثمانية إلى الأتاتوركية
لنبدأ بتركيا العثمانية، التي مارست عمليات إبادة ضد الكورد في أواخر عهد إمبروريتها المريضة. ثم جاءت الأتاتوركية لتمسح الهوية القومية عن كورد تركيا وتسميتهم بـ"أتراك الجبال"، في محاولة لطمس وجودهم الثقافي.
إيران: من البهلوي إلى الخميني
في الجزء الإيراني، لم يكتف نظام البهلوي بإسقاط جمهورية مهاباد الكوردية المستقلة وإعدام قادتها، بل مارس سياسة شوفينية ضد الشعب الكوردي هناك. ثم جاء نظام الخميني، كامتداد طبيعي للحكم العنصري الفارسي، ليمارس نفس سياسة القمع والاضطهاد.
العراق: حكايات القمع تحت الحكم البعثي
للحكم البعثي في العراق حكايات وروايات يطول شرحها حول مديات القمع والاضطهاد الذي تعرض له كورد العراق. منذ الإطاحة بالنظام الملكي، وصلت سياسات نظامي البعث الأول والثاني إلى أقصى درجات العنف، بما في ذلك القصف الكيمياوي لمدينة حلبجة وعمليات الأنفال الوحشية.
سوريا: الحرمان من المواطنة
أما البعث السوري، فلم يكتف بممارسة سياسة شوفينية حاقدة ضد الشعب الكوردي هناك، بل حرمهم حتى من حق المواطنة والتجنس بجنسية البلد الذي يعيشون فيه منذ مئات السنين، مما يزيد من تعقيد الأوضاع.
المحاولات المخادعة والتضليل
المفارقة العجيبة أن كل هذه الأنظمة الشوفينية، التي تحارب الشعب الكوردي وتنكر وجود قضية كوردية، حاولت مرارًا خداع العالم بتصوير الثورات الكوردية كحركات انفصالية. في إطار هذه السياسة المخادعة، شاركت بعض الكورد المأجورين في حكوماتها لتضليل الرأي العام وكسب الشارع الكوردي.
أمثلة على المشاركات الرمزية
- في العراق، كانت هناك مشاركات رمزية من شخصيات كوردية تابعة في الوزارات منذ حكومة عبد الكريم قاسم.
- شكل النظام البعثي الثاني برلمانًا صوريًا في كوردستان وعين شخصًا كورديًا في منصب نائب رئيس الجمهورية.
- في إيران، سمح النظام الإسلامي بدخول نواب كورد إلى البرلمان وتعيين نائب رئيس جمهورية كوردي.
- في تركيا، سمح بتأسيس أحزاب كوردية على شرط الولاء للقومية التركية، ويقال إن وزير الخارجية الحالي من أصل كوردي.
- في سوريا، أتاحت الفرصة لتأسيس أحزاب كوردية على شرط الإيمان بعروبة سوريا.
تساؤلات حول السلام والتعايش
بعد كل هذه العقود من الإنكار والتضليل والحروب العبثية، التي لم تجن أي نظام في المنطقة غير الدمار والخراب، ألم يحن الوقت لهذه الأنظمة أن تدشن لمرحلة جديدة من السلام والتعايش مع المكون الكوردي؟ لماذا تتعايش عشرات القوميات في دول مثل أميركا وأوروبا والهند، ولا تستطيع دول المنطقة أن تتعايش مع الكورد؟
المفارقات الغريبة
كان النظام البعثي يرفع شعار مركزية القضية الفلسطينية ويمد يد المساعدة لحركات التحرير في أميركا اللاتينية وأفريقيا، لكنه لم يمد يده للسلام مع شعبه الكوردي. تركيا تمد يدها لكل حركة إسلامية حتى لو كانت تكفيرية، لكنها لا تعترف بمكون كوردي مسلم على أرضها. النظام الإيراني يدعي أنه خليفة الله، لكنه لا يتوانى عن ضرب مخيمات اللاجئين الكورد.
إنها حقًا مفارقة غريبة، وكما قال أديب إسحاق: "قتل امرئٍ في غابةٍ... جريمةٌ لا تُغتَفر، وقتل شعبٍ آمنٍ... مسأَلةٌ فيها نظر". هذه المقالة تهدف إلى تسليط الضوء على هذه القضية المعقدة والدعوة إلى إعادة النظر في سياسات القمع.



