لبنان في خضم العواصف: تحديات داخلية وخارجية تهدد الاستقرار
يقف لبنان الرسمي اليوم بين حافتي الانقسام الداخلي الحاد والتفاوض الخارجي الشاق، في مشهد معقد يهدد كيانه السياسي واستقراره الداخلي. في الداخل، تتصاعد أصوات الاعتراض والاحتجاج ضد أي مفاوضات سياسية مباشرة مع إسرائيل، وهو أمر يعتبر من المحرمات التاريخية منذ إسقاط اتفاق السابع عشر من مايو 1983، بعد سنوات من الوصاية السورية التي ربطت المسار اللبناني بالسياسات الإقليمية.
الانقسام الداخلي: أدبيات التخوين والاتهامات
تأخذ الحركات الاحتجاجية على المفاوضات طابعاً حاداً، حيث تنتشر أدبيات التخوين والاتهام بالعمالة، لا سيما تجاه رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. هذه الأساليب لطالما استخدمها ما يسمى بـ"محور الممانعة" في لحظات الاحتدام السياسي، مما يعمق الشرخ الداخلي ويصعب من مهمة بناء توافق وطني حول الخيارات الاستراتيجية.
التفاوض الخارجي: إسرائيل وتحديات الرد
أما على الصعيد الخارجي، فإن التفاوض مع إسرائيل يبدو صعباً للغاية، حيث تتجاهل السلوكيات الإسرائيلية الموقف الرسمي اللبناني. فقد استمرت إسرائيل في قصفها للبنان وتصعيدها العسكري، مما أدى إلى سقوط أكثر من 1500 شهيد، بينهم عدد كبير من المدنيين الأبرياء. ولا توجد مؤشرات على أن إسرائيل ستوافق على وقف إطلاق النار قبل بدء المفاوضات، وهو المطلب اللبناني المنطقي، أو أنها تنوي الانسحاب من المناطق المحتلة.
الأصوات اللبنانية: بين الهدنة والسلام الشامل
ثمة تباين في المواقف اللبنانية، حيث تطالب بعض الأصوات بالاعتماد على اتفاقية الهدنة لعام 1949 كمنطلق للمفاوضات، دون الدخول في اتفاقية سلام شامل تتضمن تطبيعاً للعلاقات. في المقابل، تذهب أصوات أخرى أكثر تطرفاً للمطالبة بمعاهدة شاملة تفتح صفحة جديدة، متجاهلة كل ما قامت به إسرائيل في الماضي. ويحاول البعض تسويق هذه الرؤى عبر أساليب إعلامية تلامس حدود "التطبيع"، رغم التصنيف السياسي والقانوني لإسرائيل كـ"عدو".
الأوراق الضعيفة والدور الإقليمي
يمتلك لبنان الرسمي أوراقاً قليلة في مفاوضاته المرتقبة، كما أن خياراته محدودة إذا أراد إنهاء هذه الحرب دون إغراق البلاد في دوامة حروب متتالية. وقد تغيرت موازين القوى الإقليمية، مع تفوق إسرائيلي ودعم أميركي لا محدود، مما يزيد من تعقيد الموقف.
إيران وحزب الله: تناقضات الموقف
من المفارقات أن أذرع إيران في لبنان، مثل حزب الله، كانوا ينظمون تحركات احتجاجية ضد المفاوضات في شوارع بيروت، بينما كانت طائرة الوفد الإيراني المفاوض تحط في إسلام آباد للتفاوض مع واشنطن. وقد تبين أن إيران لن تضحي في سبيل لبنان أو تشعل جبهاتها مجدداً، رغم خطابها السياسي السابق حول وقف إطلاق النار.
ضرورة التوافق الوطني والمصلحة اللبنانية
على الصعيد المحلي، يبقى توسيع نطاق التوافق الداخلي حول خيار التفاوض أمراً حيوياً، لأن المسألة تتعلق بالخيارات الاستراتيجية للبنان للسنوات المقبلة. غياب هذا التوافق قد يؤدي إلى تفجير الوضع الداخلي، كما حدث في تجارب سابقة، لكن الظروف اليوم مختلفة تماماً.
دور حزب الله والمسؤولية الوطنية
لا يستطيع حزب الله أن يواصل سياسة إشاحة النظر عن مقتضيات الوفاق الوطني، أو بناء خطابه على أدبيات التخوين الممجوجة. كما لا يمكنه توريط لبنان في حروب لا طائل منها، تؤدي إلى تهجير أبناء الجنوب مراراً وتكراراً، مما يستفز البيئات المضيفة.
الطريق إلى الأمام: دعم عربي ودولي
ما يمر به لبنان الآن صعب للغاية، ويتطلع إلى الدعم العربي والدولي لاجتياز هذه المرحلة المصيرية. على الدول العربية أن تدرك أن تكلفة دعم لبنان والحفاظ على استقلاله أقل من تكلفة انفجاره الداخلي أو إسقاطه بفعل الضربات الإسرائيلية المستمرة.



